كلمة

الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري

المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية

  لإقليم شرق المتوسط

بمناسبة اليوم العالمي للإيدز، 2000

أيها الإخوة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فإنني ألتقي بكم اليوم، كما تعوَّدنا كل عام، في مناسبة اليوم العالمي للإيدز، ذلك المرض الذي يشكِّل أكبر مشكلة صحية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية تواجه البشرية في وقتنا المعاصر، فلم تَعُدْ هناك دولة من دول العالم لم يظهر فيها الإيدز، وفي كثير من المناطق خرج الوباء عن نطاق السيطرة، وبلغ عدد الذين يحملون عدوى فيروس الإيدز في العالم أكثر من أربعة وثلاثين مليوناً وثلاثمئة ألف شخص، وبلغت الوفيات من جرائه خلال العام الماضي أكثر من مليونين وثمانمئة ألف حالة.

وأصبح الإيدز بذلك السبب الرئيسي المسبِّب لوفيات الشباب والسبب الرابع المسبِّب للوفيات لكافة الأعمار.

أيها الإخوة الكرام،

إننا أمام كارثة حقيقية حلَّت آثارها المدمرة في البلدان التي انتشرت فيها عدوى فيروس الإيدز بنسب كبيرة، فحطمت آمال ملايين البشر وأضاعت جهودهم على مدى عشرات السنوات من العمل الدؤوب من أجل التنمية وتحسين نوعية الحياة، وألقت هذه الكارثة بظلالها القاتمة على جميع النواحي سواء الصحية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، فانخفض متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى القيم التي كانت سائدة في بدايات القرن العشرين، ففي دولة بتسوانا بأفريقيا على سبيل المثال، حيث تخطت مستويات إصابة السكان بعدوى فيروس الإيدز إلى أكثر من ثلث السكان، وصل مأمول العمر المتوقع عند الولادة حالياً إلى أقل من أربعين سنة بعد أن كان في منتصف الثمانينات يقترب من خمس وستين سنة، والحال في زمبابوي ودول أخرى في أفريقيا يظهر نفس النمط ولكن بدرجات متفاوتة. كذلك فقد ازداد عدد الأطفال اليتامى حيث يقدَّر بأن هناك حوالي ثلاثة عشر مليون طفل يتيم في العالم بنهاية عام 1999 لا يجدون من يقوم برعايتهم لوفاة أحد والديهم أو كليهما، بل إن بعضهم قد فقد كل من كان يمكن أن يقوم بتلك المسؤولية من أسرهم بسبب الإيدز.

وفي تلك الدول الأشد تأثراً بجائحة الإيدز تلاشت الإنجازات الاقتصادية بتقهقر معدلات التنمية وانحدارها بشكل كبير وسريع، وحصد الوباء الأيدي العاملة والمهنيين حتى أصبح هناك المريض الذي لا يجد من يمرضه، والطالب الذي لا يجد من يدرِّسه، والآلة التي لا تجد من يديرها، والحقل الذي لا يجد من يزرعه.

ولم يكتف وباء الإيدز بكل ذلك القدر من الدمار، بل إنه تسبَّب في عودة انتشار الأمراض التي كانت قد تقلصت معدلاتها بسبب تحسُّن الظروف المعيشية والخدمات الصحية، وبدأ الناس ينظرون إليها كأمراض تاريخية، وأهم تلك الأمراض مرض السل الذي يشكِّل حالياً مشكلة جسيمة تواجه شعوب العالم. وتنحصر العلاقة بين المرضين، في أن الإيدز يساعد على إصابة مرضاه بالسُّل بسبب ضعف المناعة لديهم، حتى أصبح السل هو المسؤول عن وفاة ثلث حالات الإيدز على مستوى العالم، كذلك فإن هذا الانتشار الكبير للسل بين المصابين بعدوى فيروس الإيدز ساعد على انتشاره أيضاً بين غير المصابين بالعدوى حتى إن وجود وباء الإيدز يعزى إليه ربع الذين يموتون بسبب السل.

وبالرغم من أن وباء الإيدز لا يتواجد بتلك الصورة السافرة، ولله الحمد، في بلداننا بإقليم شرق المتوسط، إلا أن ذلك لا يجب أن يدفعنا إلى الإخلاد إلى الأمان والطمأنينة. فحتى نهاية عام 1999 وصلت أعداد حالات الإيدز التراكمية المبلغة إلى أكثر من تسعة آلاف حالة، بينما اقتربت حالات العدوى بالفيروس من ستة وعشرين ألفاً، وكما تعلمون فأعداد الحالات الواقعية بالمجتمع تزيد كثيراً عن تلك التي تكتشف ويتم الإبلاغ عنها. ويقدَّر بأن هناك مئتين وعشرين ألف حالة عدوى تعيش في بلداننا.

فالمرض إِذَن ينتشر لدينا بمعدلات ثابتة ومستمرة، وتنذر تلك المعدلات في بعض الدول بالاتجاه نحو الانتشار الكبير للعدوى بين السكان.

ففي السودان على سبيل المثال تضاعفت نسبة العدوى بفيروس الإيدز لدى النساء الحوامل حوالي خمسة أضعاف في بعض المناطق خلال الفترة من 1988 إلى 1999، وبنفس المعدل تضاعفت نسبة العدوى بين مرضى السل، أما نسبة العدوى بين المتبرعين بالدم فقد قفزت في بعض المناطق إلى سبعمئة ضعف في نفس الفترة الزمنية.

وفي كل من اليمن والصومال سجِّلت نسب مفزعة لعدوى الإيدز بين مرضى السل وصلت إلى 6.9%.

أيها الإخوة الأعزاء،

إن علينا أن نعي تماماً أن مرض الإيدز مرض غير مسبوق في طبيعته وخصائصه وفي معدلات انتشاره، وبالتالي فإن أسلوب معالجتنا لمشكلته يجب أن يكون أيضاً غير تقليدي. كذلك علينا أن ندرك أن إنكار وجود المشكلة ليس في صالحنا، ولنعلم أننا كلما بدأنا في مكافحة المرض وهو لايزال في بدايته أمكننا، بعون الله، السيطرة عليه ومنع انتشاره، والعكس صحيح.

وعلينا كذلك أن ندرك أن هناك دلائل على وجود عدد من عوامل الاختطار أي احتمال الإصابة بعدوى فيروس الإيدز في مجتمعاتنا، فمدمنو المخدرات يقدَّر عددهم بالملايين، ونسبة عالية من هؤلاء تعاقر المخدرات حقناً، ولا يَخْفَى عليكم مدى ما تشكِّله تلك الممارسات من مخاطر لانتقال عدوى فيروس الإيدز سواء إلى المدمنين أنفسهم أو إلى زوجاتهم أو قرنائهم، كذلك فهناك شيوع للأمراض المنقولة جنسياً بدول الإقليم، ويدل ذلك على مدى الحجم الكبير للممارسات الجنسية التي تحمل في طياتها مخاطر كبيرة لانتقال عدوى الإيدز.

أضف إلى ذلك انتشار الهجرة داخل دول الإقليم، وكذلك عدم الاستقرار السياسي والأمني أو انتشار اللاجئين كما هو الحال في الصومال وأفغانستان والسودان وغيرها.

وتضعنا هذه الحقائق أمام تحدٍ صعب يتحتم علينا مواجهته بكل سرعة وجدية وحزم، وحتى ننجح في هذه المواجهة يجب أن يكون لدينا الإعداد الجيد والتخطيط الدقيق والعمل الجاد والمستمر، ومما يشجعنا في هذا المجال أن هناك العديد من النجاحات قد تحقَّق بالفعل في بعض البلدان نتيجةً لتطبيقها البرامج الوقائية الفعَّالة، فانخفضت فيها معدلات الإصابة بعدوى فيروس الإيدز، ولاتزال تواصل انخفاضها، ومن الدول التي حقَّقت مثل تلك النجاحات أوغندا والسنغال والبرازيل وغيرها.

وأَوَدُّ هنا أن أشير إلى أن من عناصر النجاح الأساسية في تلك الأمثلة الالتزام الوطني وأقصد به التزام القيادة السياسية للدول بدعم جهود مكافحة الإيدز وتسخير جانب من سلطاتها وإمكاناتها ومواردها لذلك الغرض. ويجب أن لا تقتصر الجهود الوطنية على التوعية العامة للجمهور عن طريق الوسائل والمواد الإعلامية، بل يجب أن تكون هناك رؤية أكثر واقعية، بحيث يتم التركيز كذلك على الفئات الأكثر تعرُّضاً لمخاطر الإصابة بعدوى الفيروس، والعمل على حماية الأجيال الناشئة من الإصابة بالعدوى، من خلال إعداد وتطبيق مناهج مدرسية حول الوقاية من فيروس الإيدز تلائم ثقافتنا وقيمنا الدينية والروحية.

وإذا عدنا إلى مناسبتنا اليوم، وهي الحملة العالمية لمكافحة الإيدز فنجدها تتناول دور الرجال في اتِّقاء وباء الإيدز، وتهدف الحملة إلى تعزيز هذا الدور في مكافحة الوباء وتخفيف آثاره. ويرجع اختيار هذا الموضوع إلى عدة أسباب أهمها ما يلي:

أولاً: إن الرجال عادةً ما لا يولون صحتهم الاهتمام المطلوب، ففي كثير من الثقافات نجد الاعتقاد السائد بأن الرجـال غير معرَّضين للمـرض، مما يشجـع الصبيـة والرجـال على ممارسـة السلوكيـات المحفوفة بالمخاطـر، ويجعلهم لا يطلبون المشورة الطبية إلا نادراً.

وثانياً: إن الرجال ينخرطون بنسب أعلى من النساء في سلوكيات ضارة بالصحة تحمل معها مخاطر الإصابة بعدوى الإيدز، وأهم تلك السلوكيات ممارسة الجنس خارج الأطر الشرعية، ومعاقرة المخدرات ولاسيَّما عن طريق الحقن، وفي مجتمعاتنا تشير الدراسات إلى أن معظم الجماعات الأكثر تعرُّضاً للإصابات هم من الرجال، وتشمل تلك الجماعات المراهقين ومعاقري المخدرات حقناً والمسجونين والمهاجرين ومَنْ إليهم.

واسمحوا لي أيها الإخوة أن أتطرَّق قليلاً إلى موضوع معاقرة المخدرات لأهميته في دولنا. فقد تم الإبلاغ عن حالات نقل عدوى فيروس الإيدز عن طريق حقن المخـدرات في جميع دول الإقليم، كما أشارت الدراسات والتقارير في كل من جمهورية إيران الإسلامية ومصر والكويت والبحرين وباكستان وغيرها إلى ارتفاع نسبة نقل العدوى بتلك الطريقة إلى معدلات تنذر بالخطر، وعلى سبيل المثال بلغت تلك النسبة في عُمان عام 1999 إلى 5%، كما أن معاقرة المخدرات بالحقـن سببت 30% من حـالات عـدوى فيروس الإيـدز في جمهوريـة إيـران الإسلاميـة عام 1998.

والسبب الثالث لاختيار موضوع الحملة العالمية لمكافحة الإيدز لهذا العام هو أن سلوكيات الرجال التي أشرنا إليها لا تقتصر عواقبها على الرجال وحدهم، بل تمتد إلى خطر إصابة النساء أيضاً بالعدوى، كما قد يصاب الأطفال كذلك إذا تسرَّب إليهم الفيروس من أمهاتهم أثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة.

ونظراً لذلك فهناك  حاجة للحصول على المزيد من الاهتمام من جانب الرجال للقيام بدور أكبر في الوقاية من الإيدز ومكافحته، لأنه مرض يؤثـِّر على الأسرة كلها كما يؤثـِّر على المجتمع بأسره، وقد ذكرت لكم في بداية حديثي هذا جانباً من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على الإيدز، وأهمها زيادة أعداد الأطفال اليتامى وتدهور معدلات التنمية الاقتصادية.

وإذا كانت الحملة هذا العام قد ألقت الضوء على دور الرجال في وباء الإيدز، فإن ذلك لا يقلِّل بأي حال من الأحوال من الدور الذي يمكن أن تؤديه النساء في مكافحة الوباء، كما أنه لا يدعو مطلقاً للاهتمام بالرعاية الصحية للرجال دون النساء، فلكل من الرجال والنساء دوره الهام في مواجهة الإيدز، ولكل منهما احتياجاته التي يجب وضعها في الاعتبار عند التخطيط للخدمات الصحية.

وأنتهز هذه الفرصة لأدعو الشباب والرجال في بلداننا أن يلتزموا بالعفة والإخلاص في العلاقات الزوجية، وأن يبتعدوا عن تعاطي المخدرات بكافة أشكالها، وأن يقوموا بتوعية أفراد أسرهم ومجتمعهم بأخطار الإيدز وطرق الوقاية منه، وكذلك أدعوهم للمشاركة في برامج مكافحة الإيدز وتقديم يد العون والرعاية للمصابين بالعدوى.

وختاماً، أَوَدُّ التأكيد على أن تنفيذ برامج مكافحة الإيدز يجب أن يتم على أساس من الشراكة بين كافة القطاعات المعنية، وأخص منها بالذكر القادة السياسيين، والشخصيات المؤثـِّرة من رجال الدين والإعلام وقادة المجتمع وكذلك القطاع غير الحكومي، وذلك حتى تكون لتلك البرامج الفعالية المطلوبة في إطار من التكامل، وتؤتي ثمارها المرتقبة بإذن الله.

وفقنا الله جميعاً لمكافحة مرض الإيدز ووقانا شروره.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.