|
|
|
أدوية جديدة
لمدة 30 إلى 40 عاما خلت لم يتم اكتشاف عقاقير جديدة لعلاج الأنفلونزا. هذه الحالة تغيرت الآن، فلقد تم حديثا اكتشاف والبدء في تسويق عقاقير جديدة مضادة لفيروسات الأنفلونزا. هذه العقاقير صنفت تحت اسم (مثبطي الأنزيم نيورأمينيدايز neuraminidase inhibitors). هذه المجموعة الجديدة تختلف عن المجموعة القديمة التي تشمل الأمانتادين Amantadine وريمانتادين Rimantadine وتعتبر أفضل من ناحية العلاج والأعراض الجانبية.
قصة تطوير هذه الأدوية الجديدة اعتمدت على عنصري الحظ والمنطق. فالتقدم المفاجئ والذي أدى إلى تطويرها كان بسبب اكتشاف الشكل الثلاثي الأبعاد لأنزيم نيورأمينيدايز الخاص بفيروسات الأنفلونزا عام 1983. وهذا التقدم اعتمد على اكتشافات مبكرة أدت للإدراك أن هناك جزء معين في إنزيم نيورأمينيدايز الخاص بفيروسات الأنفلونزا ثابت ولا يتغير بتغير نوع الفيروس (أ أو ب) أو تغير في السلالات. وهذا يدل على أن الجزء الثابت الذي لا يتغير من الإنزيم أساسي لبقاء الفيروس وقدرته على الانتشار. وبالتالي تم اكتشاف نقطة ضعف يمكن أن يتم محاربة الفيروس من خلالها بواسطة إنشاء أدوية متخصصة لهذه الجزء من إنزيم نيورأمينيدايز وبالتالي تكون فعاله ضد جميع أنواع فيروس الأنفلونزا وسلالاته المختلفة، ويشمل ذلك تلك التي تنتقل للإنسان من الحيوانات بطريقة مفاجئة.
وبمعرفة أن فيروس الأنفلونزا لا يستطيع الانتقال من خلية إلى الأخرى داخل جسم الإنسان بدون مساعدة إنزيم النيورأمينيدايز فإن منع عمل الإنزيم سيؤدي إلى حصر الفيروس بداخل الخلايا ومنعه من الانتقال إلى خلايا أخرى لمتابعة دورة حياته واستمرار العدوى للإنسان.
في عام 1993 اكتشفت مجموعة علماء مركب كيميائي قام بتثبيط الأنزيم بطريقة فعالة. وبالإضافة لذلك فهذا المركب الجديد له تأثير بسيط على الإنزيمات الأخرى والموجودة في البكتيريا والإنسان، وبالتالي دلالة على أنه ربما لا يؤثر على خلايا الإنسان.
تمت تجربة المركب الجديد والذي سمي علميا باسم زناميفير zanamivir على الحيوانات ثم على الإنسان ووجد أنه منع أعراض الإصابة بالأنفلونزا لمن تعرضوا لفيروس الأنفلونزا بعد تعاطيه وأنه قلل من شدة الأعراض لمن تعاطاه بعد إصابته بعدوى الأنفلونزا. وتم الاكتشاف أن هذا المركب الجديد لا يعمل إذا تم تعاطيه عن طريف الفم (لا يتم امتصاصه بواسطة الأمعاء) ولهذا يجب استنشاقه عن طريف الأنف أو الفم ليصل إلى الجهاز التنفسي. بما أن استنشاق الأدوية تعتبر طريقة متعارف عليها لعلاج أمراض الجهاز التنفسي، لذلك قامت شركة أدوية جلاكسو Glaxo بمواصلة التجارب على الإنسان. وعندما تأكد مفعوله وأمانه على الإنسان تم تقديم طلبات لتسجيله لدى السلطات المختصة في عدة دول وتمت الموافقة الأولى على تسويقه تجاريا في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر يوليو 1999.
في نفس الفترة تقريبا قامت شركة جيلاد Gilead بالتعاون مع شركة روش Roche باكتشاف وتطوير وإجراء الأبحاث على عدة مركبات أخرى تعتمد على نفس الميكانيكية لمقاومة الفيروس وتم التوصل لمركب سمي علميا باسم أوزيلتاميفير oseltamivir يصلح لتعاطيه عن طريق الفم. وعندما تأكد مفعوله وأمانه على الإنسان تم تقديم طلبات لتسجيله لدى السلطات المختصة في عدة دول وتمت الموافقة الأولى على تسويقه تجاريا في سويسرا في أكتوبر 1999.
طبعا سيتم تقديم طلبات لتسجيل العقارين الجديدين في دول العالم العربي ويتوقع توفرهما في الأسواق العربية عام 2001 على أقل تقدير.
تساؤلات
يوجد حاليا اهتمام عالمي كبير في هذه المجموعة الجديدة من الأدوية ولكن يوجد بعض التساؤلات. المنطق يشير إلى أن منع انتشار الفيروس والتقليل من نسبة حدوث مضاعفات مرضية ثانوية بسبب عدوى الفيروس نفسها يجب أن يساهم في تقليل نسبة الموت بسبب العدوى أو مضاعفاتها، ولكن لم يتم إلى الآن التأكد بواسطة الأبحاث من أن هذه المجموعة ستساهم في تقليل نسبة الوفيات أو منعها.
ومن المتعارف عليه أن الجراثيم بصفة عامة والفيروسات بصفة خاصة تتحايل على الأدوية الفتاكة بها وتقوم بإجراء تغييرات داخلية تساعدها على اكتساب مناعة ضد تأثير الأدوية القاتل لها. فهل هناك أسباب للتفكير بأن هذه المجموعة الجديدة ستنجو من حرب تكوين المناعة ضدها؟
في الحقيقة قام علماء بعدة مختبرات بمحاولات لإنتاج فيروسات أنفلونزا جديدة لها المقدرة على مقاومة الأدوية الجديدة. جميع المحاولات، إلى الآن، أنتجت فيروسات تستطيع مقاومة الأدوية الجديدة معمليا، ولكن ثبت أن هذه الفيروسات الجديدة ضعيفة أو لا تملك المقدرة على عدوى الإنسان أو على الاستمرار في البقاء بداخل الجسم البشري.
|