|
ثالثاً : مرحلة العلقة : (( ثمّ
خلقنا النطفة علقة )).
ما إن يتم
التحام النطفة بالبويضة ، وتشكيل النطفة الأمشاج ، حتى تبدأ هذه الأخيرة
بالانقسام والهجرة باتجاه جوف الرحم ، فتصله في غضون ( 5-10 ) أيام من بدء
التلقيح ، وهي في طور العلقة .
ومن الجدير ذكره أن مصطلح العلقة ، هو مصطلح قرآني بحت ، فلماذا العلقة يا
ترى .!؟
إنه مما لا
شك فيه ، أنه لا يدرك روعة التصوير القرآني المعجز ، إلا من أتاح الله له
رؤية تلك الكتلة من الخلايا الضعيفة ، وهي عالقة ( علوقاً ) ، في جدار
الرحم بواسطة استطالات خلوية مغروسة في مخاطية الرحم ، مصداقاً لقوله تعالى
: بسم الله الرحمن الرحيم (( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق
، إقرأ وربك الأكرم ، الذي علّم بالقلم )) .
رابعاً : مرحلة المضغة :
قال تعالى في قرآنه المعجز :بسم الله الرحمن الرحيم
- (( فخلقنا
العلقة مضغةً ))
المؤمنون (15)
-
(( ثمّ من مضغةٍ ، مخلَّقةٍ ، وغير مخلَّقة )) الحجّ ( 5 ).
بعد أن يعلق محصول الحمل في جدار الرحم ، ويرسل باستطالاته الخلوية
والدموية لجلب الغذاء له من الأم الحامل ، لاستمراره في النمو والتكاثر ،
تبدأ مرحلة جديدة من مراحل التطور ، وهي مرحلة المضغة ، وذلك اعتباراً من
الأسبوع الثالث للحمل ، وهي مؤلفة من مرحلتين :
-
المضغة
غير المخلَّقة : وهي التي لم تتمايز خلاياها بعد ، وتمتد حتى نهاية
الأسبوع الرابع ، أي نهاية الشهر الأول من الحمل .
-
المضغة
المخلَّقة : ثم تبدأ مرحلة هامة جداً من عمر الجنين ، اعتباراً من
الأسبوع الخامس ، أي بداية الشهر الثاني ، وهي مرحلة التخلُّق ، أو
التمايز (
Differentiation
) ،
حيث يبدأ تشكل الأعضاء والأجهزة ، من ثلاثة وريقات جنينية هي :
أ .
الوريقة الخارجية (
Ectoderm
) :
والتي تعطي :
-
النسيج
العصبي .
-
الجلد وملحقاته .
ب.
الوريقة المتوسّطة (Mesoderm
) :
والتي تعطي :
-
الهيكل العظمي .
-
الأنسجة الضامة .
-
العضلات .
-
جهاز القلب والدوران .
-
الجهاز البولي .
ج.
الوريقة الداخلية (Endoderm
) :
والتي
تعطي :
-
جهاز الهضم والغدد الملحقة به .
-
جهاز
التنفس . .... وهكذا ...
خامساً : مرحلة نفخ الروح :
قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم
(( ثمّ
أنشأناه خلقاً آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين )) .
تنتهي عملية التخلُّق في نهاية الشهر الثالث ، وبداية الشهر الرابع ، حيث
تبدأ مرحلة هامة جداً ، هي عملية نفخ الروح ، وهنا لابد أن تستوقفنا مجموعة
أسئلة هامة ، ونحن نتكلّم عن عملية التمايز والتخلّق ، مثل : كيف أمكن
للخلايا المضغية (
Embrioblasts
) ،
المتماثلة
في شكلها وتركيبها ، أن تعطي تلك الوريقات الثلاث : الخارجية ، والداخلية ،
والمتوسّطة .!؟
ثم ، كيف تسنّى لتلك الوريقات نفسها ، المتماثلة أيضاً في كلّ شيء ، والتي
نشأت من نسيج واحد ، أن تعطي كل تلك الأجهزة المعقّدة مثل : النسيج العصبي
( المتضمّن أنسجة متطوّرة جداً ، كمراكز الشعور والتفكير والإبداع ) ،
وأنسجة القلب ، والكلى ، والهضم ، وغيرها .!؟
إنه اللغز
الذي حير عقول الجهابزة ، وألباب العلماء ، والذي لا يستطيع أحد في العالم
أن يجيب عنه إلا في قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم (( هو الله ،
الخالق ، الباريء ، المصوّر ، له الأسماء الحسنى ، يسبّح له ما في السموات
والأرض ، وهو العزيز الحكيم )) الحشر ( 24 ) .
وما دمنا
نتكلّم عن التخلّق والتمايز ، فلا بأس أن نتوقف عند هذه اللقطة الإعجازيّة
القرآنية ، الواردة في قوله تعالى : (( فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا
العظام لحماً )) ، والتي تتضمن اللطائف التالية :
-
التمايز : الذي نتكلّم عنه في طور المضغة ، وهو خلق العظام والعضلات ..إلخ
-
الترتيب : حيث العظام أولاً ، ثم العضلات ثانياً .
-
الكساء : يقول علماء التشريح ، بأن التعبير القرآني عن تغطية العضلات
للعظام بلفظة كساء تعبير
مدهش ورائع ، ولا توجد أية لفظة أخرى تستطيع أن تعبّر عن الواقع التشريحي
بمثل هذه الروعة.! فتبارك الله أحسن الخالقين .!!!
في نهاية الشهر الثاني يكون محصول الحمل بحجم بيضة الدجاج ، ويبلغ طول
الجنين من ( 2-3 ) سم بينما يبلغ وزنه حوالي ( 11 ) غ ، ثم يبدأ تكون
الأعضاء شيئاً فشيئاً . وفي نهاية الشهر الثالث وبداية الشهر الرابع ، يبلغ
طول الجنين حوالي ( 10 ) سم . ويبلغ وزنه حوالي ( 55 ) غ .
وهنا تبدأ الأعضاء تأخذ أشكالها النهائية ، وفي هذه اللحظات يتم نفخ الروح
، وتبدأ أغلب الأجهزة والأعضاء بالعمل .
-
وثمّة لفتة قرآنية إعجازية أيضاً ،
وذلك في قوله تعالى عن عدّة المرأة التي يتوفّى عنها زوجها : بسم الله
الرحمن الرحيم (( والذين يُتَوَفَّوْن منكم ويذرون أزواجاً ، يتربَّصن
بأنفسهنَّ أربعة أشهر وعشراً )) . فهذه الآية تطلب من المرأة المسلمة
التي يموت عنها زوجها ، أن تجلس بدون زواج لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام ،
بعد ذلك يمكنها أن تتزوج ..! فما سرّ هذه المدة بالضبط .!؟
وفي الجواب على هذا السؤال ، نقف مرّة أخرى أمام لفتة قرآنية إعجازية
باهرة من لفتات هذا القرآن المعجز ، التي تثبت بدون أدنى شك بأن هذا
القرآن لا يمكن أن يكون من عند غير الله العليم الخبير .
فعلامات الحمل بالنسبة للناس التي تنزّلت عليهم هذه الآية كانت تقسم إلى
قسمين رئيسيين :
-
علامات ظنيّة : وهي تشمل : انقطاع
الطمث عند المرأة ، وأعراض الوحام المعروفة .
-
وعلامات يقينية : وأهمها : كبر حجم
الرحم ، وبدء حركات الجنين ، وهذه الأخيرة ، هي الأهم ، وهي معروفة
لكلّ النساء ، ولقد أثبت الطب الحديث بأن المدة الكافية لظهور هذه
الحركات بصورة أكيدة لا لبس فيها ، هي أربعة أشهر ، والعشرة أيام
المضافة هي من باب الاحتياط لمنع اختلاط الأنساب .!!! ترى فمن الذي
أخبر محمّداً ( صلى الله عليه وسلم ) النبيّ الأميّ بهذه المعلومة الطبية التي ما ظهرت
إلا مع نهايات القرن العشرين .!؟ إنه الله ، فتبارك الله أحسن الخالقين
...
-
ولنا وقفة أخرى مع هذا النبي الأمي
صلى الله عليه وسلم .
فقد روى البخاري ومسلم ، عن أبي عبد الرحمن ، عبد الله بن مسعود ( رض )
قال : حدّثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وهو الصادق المصدوق : (( إن أحدكم يُجمع
خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون
مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ، ويُؤمر بأربع
كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقيٍّ أو سعيد )) .
وبنظرة متفحّصة إلى هذا الحديث المعجز يتبيّن لنا ما يلي :
-
الحديث صحيح ، فقد رواه البخاري
ومسلم رحمهما الله تعالى .
-
هذا الحديث ، هو الحديث الصحيح
الوحيد الذي يسبقه قول : الصادق المصدوق ، للدلالة على أن قائله هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس أحد غيره ..
-
الحديث يمثل معجزة باهرة لرسول الله
(صلى الله عليه وسلم ) ، حيث أكد الطب بعد أربعة عشر قرناً ، بأن الروح تنفخ في الجنين
بعد حوالي أربعة أشهر ، أي ما يقارب مائة وعشرين يوماً ، كما ورد في
الحديث بالضبط .
-
وقبل أن ننهي فقرة نفخ الروح ، لا بد
أن تستوقفنا لفتة قرآنية إعجازية أخرى ، تلكم هي الواردة في قوله تعالى
عن الجنين بعد مرحلة المضغة : (( ثمّ أنشأناه خلقاً آخر ، فتبارك الله
أحسن الخالقين )).
-
خلقاً آخر من الناحية المادية :
فلم يعد تلك الكتلة المقرفة من الخلايا المختلطة بالدم والأوساخ ،
المتجمّعة من الدم والمني والمفرزات ، بل تحوّل إلى كائن إنساني رائع ،
يحمل كل تفاصيل الكائن البشري ، من رأس وصدر وبطن وأطراف وأجهزة وحواس
...إلخ
-
وخلقاً آخر من الناحية الروحية :
فهناك فرق هائل ما بين الكتلة الهامدة التي لا حراك فيها ، وبين القلب
النابض ، والروح المبثوثة ، والجنين المتحرّك ، وهذا يضفي على المرأة
لحظة حدوثه نشوة وفرحة لا تقدّرها إلا النساء الحوامل..!
|