إنتقال للمحتوى




صورة
- - - - -

قَوْلهُم في الصُّوْفِيَّة: لِمَ سُمّيت الصُّوْفِيَّةُ صُوْفِيَّة


  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1 شيخ صارم

شيخ صارم

    عضو مميز

  • أعضاء مشاركين
  • PipPipPipPip
  • 293 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • المكان:مغربي

تاريخ المشاركة 16 April 2012 - 01:43 AM

قَوْلهُم في الصُّوْفِيَّة: لِمَ سُمّيت الصُّوْفِيَّةُ صُوْفِيَّة

قالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية: لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها.
وقال بشر بن الحارث: الصوفي: من صفا قلبه لله.
وقال بعضهم: الصوفي: من صفت لله معاملته، فصفت له من الله كرامته.
وقال قوم: إنما سموا صوفية: لأنهم في الصف الأول بين يدي الله ؛ بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.
وقال قوم: إنما سموا صوفية: لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصُّفَّة، الذين كانوا على عهد رسول الله .
وقال قوم: إنما سموا صوفية: للبسهم الصوف.
وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف: فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان، وهجروا الأخدان، وساحوا في البلاد، وأجاعوا الأكباد، وأعروا الأجساد، لم يأخذوا من الدنيا إلا مالا يجوز تركه من ستر عورة، وسد جوعة.
فلخروجهم عن الأوطان سموا: غرباء.
ولكثرة أسفارهم سموا: سياحين.
ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار: "شكفتية" والشكفت بلغتهم: الغار والكهف.
وأهل الشام سموهم: "جوعية"؛ لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة؛ كما قال النبي : {بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه}.
وقال السري السقطي - ووصفهم - فقال: "أكلهم أكل المرضى، ونومهم نوم الغرقى، وكلامهم كلام الخرقى".
ومن تخليهم عن الأملاك سموا: فقراء ؛ قيل لبعضهم: من الصوفي؟ قال: "الذي لا يملِك ولا يُملَك" يعنى: لا يستَرِقّه الطمع. وقال آخر: "هو الذي لا يملك شيئا، وإن ملكه بَذَلَه".
ومن لبسهم وزيهم سموا: "صوفية"؛ لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لآن مسه، وحسن منظره، وإنما لبسوا لستر العورة، فتجزوا بالخشن من الشعر، والغليظ من الصوف.
ثم هذه كلها: أحوال أهل الصُّفَّة، الذين كانوا على عهد رسول الله ؛ فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين، أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا: يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر، هذا وصف بعضهم لهم، حتى قال عيينة بن حصن للنبي : إنه ليؤذيني ريح هؤلاء، أما يؤذيك ريحهم؟!
ثم الصوف: لباس الأنبياء، وزى الأولياء.
وقال أبو موسى الأشعري عن النبي : {إنه مر بالصخرة من الرَّوحاء سبعون نَبِيَّاً، حفاة، عليهم العَبَاء، يؤمون البيت العتيق}.
↑↑
وقال الحسن البصري: كان عيسى يلبس الشَّعر، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى ".
وقال أبو موسى: كان النبي يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويأتي مدعاة الضعيف ".
وقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدريا، ما كان لباسهم إلا الصوف ".
فلما كانت هذه الطائفة بصفة " أهل الصفة " فيما ذكرنا، ولبسهم وزيهم زي أهلها، سموا " صُفِّيَّة "، و" صوفية ".
ومن نسبهم إلى الصُّفَّة والصف الأول: فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم؛ وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها، صفَّى الله سره، ونور قلبه.
قال النبي : {إذ دخل النور في القلب انشرح وانفسح}، قيل: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: {التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله}، فأخبر النبي أن من تجافى عن الدنيا نور الله قلبه. ↑↑
وقال حارثه حين سأله النبي : {ما حقيقة إيمانك}؟ قال: عزفت بنفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتعادون "، فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا، نور الله قلبه، فكان ما غاب منه بمنزلة ما يشاهده.
وقال النبي : {من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه، فلينظر إلى حارثة}، فأخبر أنه منور القلب.
وسميت هذه الطائفة: نوريه "؛ لهذه الأوصاف، وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة؛ قال الله تعالى {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}، والتطهر: بالظواهر عن الأنجاس، وبالبواطن عن الأهجاس وما يتحرك في الضمير من الخواطر.
وقال الله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}.
ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم؛ قال أبو أمامة الباهلي عن النبي : {اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله}.
وقال أبو بكر الصديق : ألقى في روعي: أن ذا بطن بنت خارجة "، فكان كما قال.
وقال النبي : {إن الحق لينطق على لسان عمر}.
وقال أويس القرني لهرم بن حيان - حين سلم عليه -: وعليك السلام يا هرم بن حيان "، ولم يكن رآه قبل ذلك! ثم قال له: عرف روحي روحك ".
وقال أبو عبد الله الأنطاكي: إذا جالستم أهل الصدق، فجالسوهم بالصدق؛ فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم، ويخرجون من هممكم ".
ثم من كان بهذه الصفة (من صفوة سره، وطهارة قلبه، ونور صدره): فهو في الصف الأول؛ لأن هذه أوصاف السابقين.
قال النبي : {يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب}، ثم وصفهم وقال: {الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكوون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون}، فلصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم، صحت معارفهم بالله، فلم يرجعوا إلى الأسباب، ثقة بالله ، وتوكلا عليه، ورضا بقضائه.
فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها، في أسامي القوم وألقابهم، وصحت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ.
وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر، فإن المعاني متفقة؛ لأنها إن أخذت من " الصفاء والصفوة " كانت صَفَويَّة، وإن أضيفت إلى " الصفِّ أو الصُّفَّة " كانت صَفِّيَّة أو صُفِّيَّة.
ويجوز أن يكون تقديم " الواو " على " الفاء " في لفظ " الصوفية "، وزيادتها في لفظ " الصَّفِّيَّة والصُّفِّيَّة ": إنما كانت من تداول الألسن. ↑↑
وإن جعل مأخذه من " الصوف ": استقام اللفظ، وصحت العبارة: من حيث اللغة، وجميع المعاني كلها (من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان، ولزوم الأسفار، ومنع النفوس حظوظها، وصفاء المعاملات، وصفوة الأسرار، وانشراح الصدور، وصفة السباق).
وقال بندار بن الحسين: الصوفي: من اختاره الحق لنفسه فصافاه، وعن نفسه برأه، ولم يرده إلى تعمل وتكلف بدعوى. و" صُوْفِي ": على زِنَة عُوْفِي، أي: عافاه الله فعوفي، وكوفي، أي: كافاه الله فكوفي، وجوزي، أي: جازاه الله؛ ففعل الله به ظاهر في اسمه، والله المتفرد به ".
وقال أبو علي الرّوذباري - وسئل عن الصوفي - فقال: من لبس الصوف على الصفاء، وأطعم الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى ".
وسئل سهل بن عبد الله التستري: من الصوفي؟ فقال: من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر ".
وسئل أبو الحسن النوري: ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس ".
وسئل الجنيد عن التصوف؟ فقال: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة "
وقال يوسف بي الحسين: لكل أمَّةٍ صَفْوَة، وهم وديعة الله الذين أخفاهم عن خلقه، فإن يكن منهم في هذه الأمة: فهم الصوفية ".
قال رجل لسهل بن عبد الله التستري: من أصحب من طوائف الناس؟ فقال: عليك بالصوفية؛ فإنهم لا يستكثرون، ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كل حال.
وقال يوسف بن الحسين: سألت ذا النون من أصحب؟ فقال: من لا يملّك، ولا ينكر عليك حالا من أحوالك، ولا يتغير بتغيرك وإن كان عظيما؛ فإنك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا.
وقال ذو النون: رأيت امرأة ببعض سواحل الشام، فقلت لها: من أين أقبلت رحمك الله؟
قالت: من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفا وطمعا.
قلت: وأين تريدين؟
قالت: إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
قلت: صفيهم لي؟ فأنشأت تقول:
↑↑
قومٌ: هُمُومُهم بالله قد عَلِقَت *** فما لهم هِمَمٌ تسمو إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيدهم *** يا حسن مطلبهم للواحد الصمد
ما إنْ تَنَازَعهُم دُنْيا ولا شرف *** من المطاعم واللذات والولد
ولا للبس ثياب فَائِقٍ أنِقِ *** ولا لروح سرور حلَّ في بلد
إلا مسارعة في إثْرِ منزلة *** قد قارب الخطو فيها بَاعِدُ الأبد
فهم رهائن غدران وأوديَة *** وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد


العلامة الإمام الكلاباذي كتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف".


  • 0




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين