إنتقال للمحتوى




صورة
- - - - -

الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية


  • لا تستطيع إضافة موضوع جديد
  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
11 رد (ردود) على هذا الموضوع

#1 _سالم_

تاريخ المشاركة 14 December 2012 - 05:02 PM

الكليات التشريعية ومكانتها في القرآن والكتب السابقة

الشريعة والتشريع بين التضييق والتوسيع


يتعلق هذا الفصل ـ والبحث كله تقريبا ـ بالشريعة والتشريع والكليات التشريعية ، ولذلك أبدأ بمعاني هذه الكلمات وما أعنيه بها ، ضمن استعمالاتها المتداولة.
الشريعة والتشريع، وكذلك الشِّرعة والشرع، كلها راجعة إلى أصل واحد، هو مادة "شـرع".
ومعنى "شـرَعَ ": وضعَ الأحكام وحدَّدها، فهو بمعنى سنَّ، فالذي يضع الأحكام للناس، ويحدد لهم ما يفعلون وما لا يفعلون، ويحدد لهم كيف يفعلون...، يقال عنه : شرَعَ يَشرَعُ...
والأحكام التي يضعها تسمى شَرْعًا وشريعة . وتسمى كذلك شرْعة وعلى هذا: فالشريعة والشرعة والشرع بمعنى واحد.
قال الإمام الطبري: ((والشِّرْعة: الشريعة بعينها، تجمع الشِّرعة شِرَعًا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد)).
وقال القرطبي: ((والشِّرعة والشريعة: الطريقة التي يتوصل بها إلى النجاة. والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء. والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين، وقد شرع لهم يشرع : أي سن. والشارع : الطريق الأعظم)).
أما مفهوم "الشريعة"؛ من حيث مضامينها ومجالات أحكامها : فمن العلماء من يجعله شاملا لكل ما أنزله الله لعباده، أي لكل ما وضعه لهم وكلفهم به وأرشدهم إليه، من معتقدات وعبادات وآداب... فالشريعة عندهم مرادفة أو مطابقة، للدين والملة، فالدين والملة والشريعة، في هذا المفهوم الموسع، شيء واحد.
ومما يستدل به على هذا المعنى قوله تعالى : {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]

وأهم ما هو مشترك بين هؤلاء الرسل وغيرهم، هو توحيد الله وعبادته وطاعته، فهذا هو ما شرعه الله للعباد، وهذا هو شرعه وشريعته، فكل ما شرعه فهو شرع وشريعة.
وبهذا المعنى ألف أبو بكر الآجُرِّي كتابه ( الشريعة )، الذي يتناول فيه ـ بلا تمييز ـ قضايا عقدية، وقضايا فقهية، وقضايا أصولية. ومن أبواب الكتاب ـ على سبيل المثال ـ باب : " التحذير من مذاهب أقوام يكذبون بشرائع مما يجب على المسلمين التصديق بها " ثم ساق بعض الآثار تحذر ممن سيظهر فيهم التكذيب بالرجم، والدَّجال، والحوض، والشفاعة، وعذاب القبر، وخروج المؤمنين من النار، ممن سيدخلونها.
فهذه الأمور كلها اعتبرها " شرائع" يجب الإيمان بها...
إلا أن استعمال " الشريعة " بمعنى الأحكام العملية دون الاعتقادات القلبية، هو الغالب لدى العلماء ولدى الفقهاء خاصة، ومن هنا شاع التقابل بين العقيدة والشريعة، حيث يوصف الإسلام بأنه عقيدة وشريعة، بمعنى أن الشريعة غير العقيدة.
وهذا التمييز بين العقيدة والشريعة، بإخراج الأولى من الثانية، يجد سندًا له في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[المائدة: 48]، فهو يدل على التغير والاختلاف بين الشرائع المنزلة، وهذا لا يكون إلا في الأحكام العملية، أما العقيدة فهي ثابتة مع الثوابت المشتركة بين الشرائع، بل هي الركن الأعظم في تلك الثوابت.
وفي قوله تعالى : {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}[الجاثية: 18]، قال قتادة: ((والشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي))

وسواء كان هذا هو المعنى الأصلي للشريعة، أو كان استعمالا اصطلاحيا خاصا، إلى جانب المعنى الأوسع، فإنه أصبح هو المعنى السائد والمتبادر إلى الأذهان عند إطلاق لفظ الشريعة والشرع.
قال الكفوي: ((والشرع والشريعة: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء، صريحا أو دلالة، فإطلاقه على الأصول الكلية مجاز، وإن كان شائعا، بخلاف الملة، فإن إطلاقها على الفروع مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه وغير ذلك. ولهذا لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الأنبياء)).

من الشريعة إلى التشريع

ليس هناك فرق جوهري بين ما قيل عن الشريعة وما يمكن أن يقال عن ((التشريع))؛ فكلاهما راجع إلى فعل ( شرَع )، بمعنى وضَعَ الأحكام وسنَّها للناس.
فالتشريع هو مصدر ( شرَّع ) الرباعي، وهو وإن لم يستعمل في القرآن الكريم، فقد تم استعماله عند المتقدمين، وإن كان قليلا بالقياس مع استعمالهم للفعل الثلاثي ومشتقاته. ففي معنى قوله تعالى:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}[الإسراء: 71]، قال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع.
وقال ابن تيمية في بيان حكم ما صدر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما يعد منه تشريعا وما ليس كذلك: ((فكل ما قاله بعد النبوة واقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع))

وفي العصر الحديث شاع مصطلح ( التشريع ) وكثر استعماله وتنوع، فهو قد يستعمل بمعناه القديم الذي يشمل الأحكام الشرعية، سواء كانت للعبادات أو المعاملات أو للسلوك الفردي والاجتماعي، بصفة عامة، وقد صدرت عدة مؤلفات عن تاريخ التشريع، ومناهج التشريع، وخصائص التشريع، وأصول التشريع.
وقد يستعمل ( التشريع ) بمعنى اصطلاحي أضيق، فيراد به القوانين، أو سن القوانين، التي تصدر عن الدول والحكومات ومؤسساتها. وحتى حينما يجري الحديث عن التشريع الموصوف ( بالإسلامي )، فقد أصبح المراد به في كثير من الحالات الأحكام الشرعية التي يدخل تنفيذها ـ أو مراقبة تنفيذها ـ في حيز اختصاصات الدول والحكومات.
وإلى قريب من هذا المعنى ذهب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في كتابه ( مقاصد الشريعة الإسلامية )، حيث قال: " فمصطلحي إذا أطلقت لفظ التشريع أني أريد به ما هو قانون للأمة، ولا أريد به مطلق الشيء المشروع. فالمندوب والمكروه ليسا بمرادَيْنِ لي، كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة....)).
فقد أخرج من التشريع المندوبات والمكروهات وكل أحكام العبادات، لكنه في تفسيره يستعمل التشريع بمعناه الواسع الذي يشمل العبادات وسائر الأحكام الشرعية، كما في تفسيره لآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] حيث قال: "صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنة كافيا في هدي الأمة في عبادتها ومعاملتها...".
وهذا التضييق لمعنى ( التشريع )، بحيث يقتصر على القوانين والتشريعات المتعلقة بالشؤون العامة، انتقل حتى إلى مفهوم الشريعة، فصار الكلام عن الشريعة وعن تطبيق الشريعة، والعمل بالشريعة، ومرجعية الشريعة... يراد به ـ أو يفهم منه ـ عند الكثيرين، ما يتعلق بالشؤون العامة، ويدخل في اختصاص الولاة والقضاة..
ولا شك أن هذا التضييق وهذا القصر، لا أساس له، ولا تحتمله أصول الشريعة وقواعدها التشريعية التي لا تعرف التفريق بين عبادات وجنايات وآداب ومعاملات، ولا بين أحوال شخصية وأخرى غير شخصية....
وإنما بدأ ونشأ هذا المفهوم الضيق للشريعة والتشريع مع شيوع استعماله على ألسنة السياسيين والقانونيين من أساتذة جامعيين، ومن قضاة ومحامين ومشرعين...
أما في الشريعة وفي التشريع الإسلامي: فإن الصلاة تشريع، والتيمم تشريع، وقطع يد السارق تشريع، وتحريم الربا تشريع، والطواف بالبيت تشريع، وعدة المطلقة أو المتوفى عنها تشريع، والشورى تشريع، وإلقاء السلام ورده تشريع، وإيتاء ذوي القربى تشريع، وتحريم الغيبة والنميمة تشريع، وبر الوالدين تشريع، والجهاد تشريع، وأحكام الزكاة تشريع، وآداب الأكل والشرب تشريع، وخصال الفطرة تشريع، والعدل والإحسان في كل شيء تشريع.... وهكذا بلا فرق.
والشيخ ابن عاشور نفسه، حين اختار المعنى المضيق للتشريع في كتاب (المقاصد)، أي بمعنى " ما هو قانون للأمة "، قد وجد صعوبة في الالتزام بهذا المفهوم وفي ضرب الأمثلة له ولمقاصده، و لذلك نجده يقول: "وإني قصدت في هذا الكتاب خصوص البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب..."، فأضاف الآداب وأدخلها في معنى التشريع، مع أن أكثرها مندوبات ومكروهات، في العبادات والعلاقات الاجتماعية.
ثم عبر بشكل صريح عن الإشكال الذي وجد نفسه فيه بسبب ما اختاره من تفريق وتضييق، قال رحمه الله: ((وفي هذا التخصيص نلاقي بعض الضيق في الاستعانة بمباحث الأئمة المتقدمين....ولهذا تجشمت إيجاد أمثلة من المعاملات ونحوها... وقد أُضطَـرُّ إلى الاستعانة بـمُثُل من الديانة والعبادات، لما في تلك المثل من إيماء إلى مقصد عام للشارع أو إلى أفهام أئمة الشريعة في مراده)).
ومنبع الإشكال هنا، هو أن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ـ وكذلك كلياتها وقواعدها ـ تسري في كافة المجالات والأبواب التشريعية. فمثلا: نفي الحرج، هو مقصد من مقاصد الشريعة، وقاعدة كبرى في قواعدها التشريعية، وهذا الأصل والمقصد يمتد سريانه إلى كافة أبواب الشريعة وكافة فروعها ومختلف أحكامها وآدابها العامة والخاصة، بل يمتد حتى إلى المجال العقدي، فنجد ـ مثلا ـ {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}[النحل: 106] حيث يجوز دفع الضرر الفادح عن النفس بالخروج الظاهري عن مقتضى الإيمان. فهذا جزء من قاعدة نفي الحرج.
وهكذا يتعذر إحداث تمييز فاصل فيما بين المقاصد والقواعد العامة للشريعة الإسلامية، واعتبارُ شيء منها خاصًا بالمعاملات، أو خاصًا بالعبادات، أو خاصًا بما هو قانون للأمة ومن شؤونها العامة.
وهذا هو أحد المفاصل الكبرى بين التشريع الإسلامي وغيره، بل بين مفهوم التشريع ووظيفته، في كل من الإسلام والقوانين الوضعية. فالتشريع في الإسلام ـ بكل مجالاته وكافة أحكامه ـ ذو وظيفة تعبدية وتربوية أولا، ثم بعد ذلك ـ أو بجانب ذلك ـ تأتي وظيفته القانونية الاجتماعية والسياسية، فوظيفة فض المنازعات، وتحديد الحقوق والواجبات، وحفظ الأمن والنظام، ليست هي كل ما يرمي إليه التشريع الإسلامي حتى في هذه المجالات بالذات، بل هو دائما وأساسًا يربي ويرقي، ويهذب ويؤدب،و يخاطب الإيمان والوجدان، ويرمي إلى تزكية الإنسان. فهو حتى في تصديه لفض المنازعات وتحديد الحقوق والواجبات، يعتمد على الوازع التربوي الإيماني، قبل اعتماده على الوازع القضائي والسلطاني. فهذه المقاصد والوظائف التشريعية سارية ومرعية وممتدة في العبادات كما في المعاملات، وفي العادات كما في العقوبات، وفي الحياة الشخصية، كما في الحياة العائلية والاجتماعية، وفي الفرائض والواجبات،كما في المحرمات والمكروهات، والمباحات والمندوبات.
فالتشريع الإسلامي لا يمكن فيه التمييز ـ وخاصة على صعيد القواعد والمقاصد ـ بين ما هو رسمي وما هو شعبي، وما هو عمومي، وما هو خصوصي.
فقاعدة العدل مثلا ـ وهي من الكليات ومن المقاصد الكبرى للتشريع الإسلامي ـ ليست خاصة بالنظام العام، وليست خاصة بالحكم والقضاء، والقسمة والعطاء، بل هي سارية في الوضوء والصلاة، والصوم والزكاة، وعلاقات الجيران والأقارب، وفيما بين الأزواج والأبناء، والأمهات والآباء، ومع الطلبة والتلاميذ، بل حتى مع الإنسان في خاصة نفسه وأعضاء جسمه، وفي نومه ويقظته، وأكله ولباسه... ففي كل ذلك مجال للعدل، وفي كل ذلك تدخل قاعدة العدل.
وبناء على هذا الأساس، فمصطلح التشريع مستعمل عندي بأوسع معانيه العملية ومقتضياته التطبيقية.
فالتشريع أعني به كل ما له مقتضى عملي في حياة الإنسان، أيا كانت صفة هذا الإنسان، وأيا كان نوع هذا المقتضى ومجاله، فكل قاعدة كلية تقتضي أثرًا أو فعلًا أو سلوكًا في حياة الإنسان أفرادًا، أو جماعات، فهي عندي من "الكليات التشريعية"، وهي نوع من التشريع. ولا تعنيني بعد ذلك التصنيفات والتقسيمات الفقهية أو القانونية، أو المدرسية، أو التاريخية.

فالتشريع والتشريعي هو ما له مقتضى عملي إذا صدر من جهة لها حق الإلزام، وهذه الجهة في حالتنا هي الشرع وصاحب الشرع. وكلمة الشرع تعني أساساً القرآنَ والسنة.
فكل ما له منهما مقتضى عملي تطبيقي في السلوك البشري فهو شرع وهو تشريع
،وقد سئل ابن تيمية عن معنى الحديث النبوي، أهو ما قاله صلى الله عليه وسلم طيلة عمره؟ أو ما قاله بعد البعثة؟ أو ما قاله بقصد التشريع؟ فأجاب رحمه الله: "وقول السائل: ما قاله في عمره أو بعد النبوة، أو تشريعًا؟ فكل ما قاله بعد النبوة وأُقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع. لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به، فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرعا لاستحبابه.. وقد يكون منه ما هو واجب...." إلى أن قال " والمقصود: أن جميع أقواله يستفاد منها شرع)).وإذا كان هذا عن الحديث النبوي فما بالك بالقرآن الكريم.

  • 0


#2 _سالم_

تاريخ المشاركة 16 December 2012 - 01:42 AM

التشريع والحياة

الحياة المعاصرة أصبحت تعرف كثرة وكثافة قانونية لا مثيل لها من قبل، وأصبحت القاعدة التشريعية التي عبر عنها الخليفة عمر بن عبد العزيز بقوله : "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور"، أصبحت تشتغل ليل نهار، وأصبح لدى معظم دول العالم مؤسسات تشريعية متخصصة ومتفرغة، تنتج القوانين مثلما تنتج المصانعُ سائر المصنوعات. فالمؤسسات والهيئات التشريعية هي مصانع قوانين، أو مصانع تشريعية، حتى أصبحوا يصفون هذه الغزارة القانونية بالترسانة القانونية، وقد يطلق هذا الوصف على المجال التشريعي الواحد، كالترسانة الجنائية، أو الترسانة الحقوقية، أو الترسانة الدولية، أو الترسانة الإدارية. وقد أصبحت بعض الموسوعات القانونية تتألف من مئات المجلدات.
ومع هذا كله، نستطيع القول: إن التشريع بمعناه القانوني الرسمي، لا يحكم ولا يؤطر إلا نسبة ضئيلة من الحياة البشرية ومن العلاقات البشرية، فالنشاط البشري ـ الفردي والجماعي ـ إنما يتوقف على القانون ويحتكم إلى القانون ويخضع للقانون في حالات محدودة وفي حيز محدود، ويبقى ما سوى ذلك من النشاط الإنساني محكوما ومسيرا بمقتضيات وسلطات أخرى: من الدين، ومن الثقافة، ومن العرف، ومن العقل، ومن الذوق، ومن المزاج، ومن الهوى، ومن العفوية والعشوائية...
ولكن الإسلام، والتشريع الإسلامي بمعناه الشامل الذي ذكرته، يملأ الحياة كلها، ويستوعب هذه السلطات كلها، ليس بأحكامه المحددة والمحدودة، بل بقواعده وكلياته، ومبادئه ومقاصده.
وإذا كانت القوانين وحدها لا تسد الفراغ ولا تلبي الاحتياج في الحياة البشرية، إلا بنسبة ضئيلة، فكذلك الأحكام الشرعية التفصيلية المنصوص عليها بأعيانها وأسمائها، ولذلك شاع قول بعض العلماء : النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وهم يقصدون النصوص المتضمنة للأحكام التفصيلية الصريحة والمباشرة.
وعبر بعضهم عن هذا المعنى بقولهم: النصوص متناهية والحوادث لا متناهية، والمتناهي لا يحيط باللامتناهي.
وقد سئل ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة فقال في جوابه : "إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد".
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، فإنما ذلك قبس من القرآن الكريم الذي يمكن اعتباره كله ( مجمع جوامع الكلم ).
جوامع القرآن وكلياته هي أحد وجوه إعجازه، وأحد أسباب قوته المتجددة عبر العصور. واستثمار هذه الكليات في شتى مناحي الحياة، هو ما يجعل نور القرآن وهداه ورحمته تتسع وتتمدد حتى تتطابق مع قوله تعالى : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] وقوله سبحانه : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[النحل: 89].قال العلامة ابن عاشور: "{كُلَّ شَيْءٍ} يفيد العموم، إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجئ الأديان والشرائع: من إصلاح النفوس، وإكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدني، وتبيين الحقوق، وما تتوقف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يأتي من خلال ذلك من الحقائق العلمية والدقائق الكونية ووصفِ أحوال الأمم وأسباب فلاحها وخسارها...".
  • 0

#3 _سالم_

تاريخ المشاركة 18 December 2012 - 04:39 PM

آيات القرآن بين الإحكام والتفصيل


يقول الله عز وجل في مطلع سورة هود : {الَـر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[سورة هود: 1] فمجموع القرآن الكريم هو عبارة عن آيات أحكمت، ثم فصلت آيات، تَـم إحكامها، ثم وقع تفصيلها، وكل ذلك من لدن حكيم خبير، فهو الذي أحكم المـحْكمات بحكمته، وفصل المفصَّلات بخبرته.
وقد ذكر الله تعالى أن آيات القرآن منها آيات محكمات،وأنها هي عمدة الكتاب العزيز، وذلك في قوله سبحانه: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]
قال العلامة ابن عاشور: " صِنفُ المحكمات يتنزل من الكتاب منزلة أمِّه، أي أصْلِه ومرجعه الذي يُرجع إليه في فهم الكتاب ومقاصده" وقال أيضا: "فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ).

فالآيات المحكمات هي أصول وأمهات لغيرها، مما يندرج فيها أو يتفرع عنها أويخضع لها، من التفصيلات والجزئيات والتطبيقات. فمجمل الدين وشريعته مؤسَّس على هذه المحكمات الكليات ونابع منها.

والقرآن الكريم باعتباره الأصل الأول والمرجع الأعلى للإسلام وشريعته، لا بد وأن يكون هو مستودع هذه الكليات الأساسية ومنجمها، ولابد أن تكون هذه الكليات مقدمة في الترتيب والاعتبار، كما تشير إلى ذلك الآيتان من سورة هود، وسورة آل عمران (أحكمت.... ثم فصلت)، (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات...).
بل حتى في التنزيل والتبليغ، جاءت الآيات المحكمة الكلية سابقة على آيات الأحكام التفصيلية، فالقرآن المكي بدأ تركز بالدرجة الأولى على الكليات والمبادئ والأحكام العامة. ثم بدأ يتطرق إلى بعض الأحكام العملية غير المفصلة، أواخر المرحلة المكية، وأما الأحكام التفصيلية والتطبيقية فقد تأخر نزول معظمها ـ أو كلها تقريبا ـ إلى المرحلة المدنية وإلى القرآن المدني، ثم جاءت بدرجة أكثر تفصيلا في السنة النبوية.

يقرر ذلك الإمامُ ابن تيمية ويوضحه من خلال هذا المثال: "وقد استدل كثير من المتأخرين من أصحابنا و غيرِهم على وجوب تطهير الثياب بقوله سبحانه {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}، حمْلاً لذلك على ظاهر اللغة التي يعرفونها؛ فإن الثياب هي الملابس، و تطهيرها بأن تصان عن النجاسة و تُجنَّبَها، بتقصيرها و تبعيدها منها، و بأن تماط عنها النجاسة إذا أصابتها. و قد نُـقل هذا عن بعض السلف، لكن جماهير السلف فسروا هذه الآية بأن المراد: زَكِّ نفسك و أصلح عملك. قالوا: و كَنَّى بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الأرجاس و الآثام، و ذلك أن هذه الآية في أول سورة المدثر، و هي أول ما نزل من القرآن بعد أول سورة اقرأ. و لعل الصلاة لم تكن فرضت حينئذ، فضلا عن فرض الطهارة التي هي من توابع الصلاة. ثم هذه الطهارة من فروع الشريعة وتتماتها، فلا تفرض إلا بعد استقرار الأصول والقواعدِ كسائر فروع الشريعة، وإذ ذاك لم تكن قد فرضت الأصول و القواعد.
ثم إن الاهتمام في أول الأمر بجُمَل الشرائع و كلياتها دون الواحد من تفاصيلها و الجزءِ من جزئياتها هو المعروف من طريقة القرآن، و هو الواجب في الحكمة. ثم ثياب النبي صلى الله عليه وسلم لم تعرض لها نجاسة إلا أن تكون في الأحيان، فتخصيصها بالذكر دون طهارة البدن و غيره، مع قلة الحاجة و عدم الاختصاص بالحكم في غاية البعد.

وإذا حُملت الآية على الطهارة من الرجس و الإثم و الكذب و الغدر و الخيانة و الفواحش، كانت قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة"


وقال الإمام الشاطبي مؤصِّلا ومفصِّلا: "اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والذي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة وإنفاق المال وغيرِ ذلك، ونُهيَ عن كل ما هو كفر أو تابع للكفر، كالافتراءات التي افتروها من الذبح لغير الله وللشركاء الذين ادَّعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله. وأُمر ـ مع ذلك ـ بمكارم الأخلاق كلها: كالعدل والإحسان، والوفاء بالعهد، و أخذ العفو، والإعراض عن الجاهل،والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر والشكر، ونحوها، ونهي عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرا في دين الجاهلية.
وإنما كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة، والأصول الكلية في النزول والتشريع أكثر.".


فهكذا تسلسلت آيات القرآن وانبثقت أحكامه، وهكذا تأسست قواعد الشريعة وانبنت فروعها؛ بدأت بشهادة لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن كلمة الله، ثم تقررت بقية الأصول الإيمانية، وفي مقدمها الإيمان بالبعث والنشور، والحساب والجزاء..

ثم تتابعت المعتقدات التكميلية لتوسع وتعمق من معرفة الناس بربهم وبالغاية من خلقهم وبالعوالم الظاهرة لهم أو المغيبة عنهم...
وبناء على ذلك وبجانبه جاءت الكليات التي تحدد القيم والمثل العليا والغايات والمقاصد العامة للحياة البشرية، مع التطرق أيضا إلى أمهات المفاسد وأصول الانحرافات التي تهدد الإنسان، من عقدية وفكرية ونفسية وسلوكية...

ثم جاءت بعد ذلك بعض الكليات والقواعد التشريعية والتنظيمية للعلاقات البشرية، الفردية والعائلية والجماعية.

وبعدها بدأ تنزيل بعض التوجيهات والتكاليف العملية لكن بصورة مبدئية تمهيدية، وكان هذا أواخر المرحلة المكية، بين يدي الانتقال إلى المرحلة المدنية التي شهدت غزارة في الأحكام التفصيلية والضوابط التطبيقية، مع الاستمرار في تأكيد بعض الكليات وتكميلها والتذكير بها.

فهذه هي الأصول والكليات التي أُحكمت، ثم فصلت، على النهج المشار إليه في قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24].

ففي البدء كانت ( الكلمة الطيبة )، أي العبارة الأساسية الكلية الجامعة. وعامة المفسرين على أن المقصود بها ( لا إله إلا الله ).ثم تلاها وخرج من رحمها ما يرسِّخ أصلها ويغذيه ويقوي رسوخه في القلوب والعقول والنفوس. ومن هذه وتلك تنبثق الأغصان والفروع والأوراق والثمار... "هكذا في دورة تشريعية معجزة، لا أجد لها تشبيها إلا تلك الدورة الفلكية أو دورة الزروع والثمار المعجزة في الخلقة، التي تظنها قد تقف فينقطع عطاؤها، فكلما طاف بك طائف من شك، أبصرتها تنطلق في دورة جديدة تبدد تلك الشكوك...".

وعموما يمكن القول: إن الكليات والمحكمات القرآنية قد تكفلت بإرساء الأساس الفلسفي المرجعي، الذي ينبثق منه التشريع الإسلامي، وأن الشريعة الإسلامية قد تفصلت فروعها وجزئياتها، بعدما تأصلت أصولها وكلياتها ( أحكمت...ثم فصلت) .

ومما يجدر التنبيه عليه، كون هذه الأصول والكليات ليست على درجة واحدة، لا من حيث كليتها وعمومها، ولا من حيث رتبتها وأولويتها، بل بعضها أولى وأعلى، وبعضها دون ذلك، وبعضها أعم وأشمل، وبعضها دون ذلك. وقد يكون بعضها مندرجا في بعض، وبعضها متفرعا عن بعض. وكذلك يقال في الجزئيات، فمنها جزئيات كبرى تنطوي على غيرها، ومنها جزئيات صغرى تنطوي في غيرها. فالجزئيات الكبرى قد تكون بمثابة كليات لعدد كبير من الجزئيات الصغرى، المتفرعة عنها أو المتعلقة بها.

فإذا أخذنا على سبيل المثال قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90]، نجد فيه الأمر بقضيتين كليتين كبيرتين، هما " العدل والإحسان ". إذ هما تشملان كل شيء وتدخلان في كل شيء، فما من مجال، وما من عمل قلبي أو حسي، إلا ويدخله العدل والإحسان، وما من قول يقوله الإنسان، إلا ويدخله العدل والإحسان، وهما مطلوبان ومأمور بهما في كل المجالات وفي كل الحالات وعلى كل الأحوال.

ثم نجد الأمر "بإيتاء ذي القربى"، وهي قضية جزئية، بدليل أنها داخلة في العدل والإحسان، فإيتاء ذي القربى هو جزء ـ أو جزئي ـ ضِمنَ العدل وضمن الإحسان، ولكن هذا الجزئي يمثل قضية كلية بالنسبة إلى ما ينبثق عنه ويندرج فيه، مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنفاق الواجب أو المندوب على الأقارب المحتاجين، والوصية للأقربين غير الوارثين، وإعطاءِ غير الوارثين عند اقتسام التركة بين الورثة، وتقديم الهدايا للأقارب في مختلف المناسبات، ومواساتهم عند المحن والنكبات...

وفي الجهة الأخرى نجد في الآية النهي عن قضيتين كبيرتين هما "الفحشاء والمنكر"، وهما تجمعان كافة الشرور والمفاسد، ما ظهر منها وما بطن، في المعتقدات والعبادات والمعاملات، بين الأفراد والجماعات.

ثم نهت الآية عن "البغي"، وهو داخل في الفحشاء والمنكر، فهو مسألة جزئية لهما، ولكنه يمثل قضية كلية لما يندرج فيه من أنواع البغي وحالاته وأشكاله وجزئياته التي لا تنحصر.

وإذا أخذنا قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] نجد فيه قضية كلية كبرى هي لزوم عبادة الله، مع إفراده وحده بهذه العبادة.

وتحت هذه القضية الكلية تندرج قضايا جزئية لها، تتمثل في العبادات والتكاليف العبادية، من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة...
كما يدخل في جزئياتها كل ما تم إبطاله من أشكال العبادة والعبودية لغير الله ـ من بشر أوحجر، أو حي أو ميت ـ سواء كانت قلبية أو قولية أو فعلية.
ثم نجد أن هذه العبادات المطلوبة، أو تلك المحظورة، هي قضايا أو عناوين كلية لما تحتها وضمنها من أحكام تفصيلية، وقد يكون لبعض التفاصيل تفاصيل وفروع دونها... وهكذا.

ومن الأمثلة التوضيحية للكليات والجزئيات، واختلاف مراتبها في العموم والخصوص، ما يتضمنه هذا النص للإمام عز الدين بن عبد السلام: "وقد يقع في الأدلة ما يدل على التكليف إجمالًا، كالتبشير والإنذار إذا لم يتعلقا بفعل معين، كقوله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فاطر: 24]... فالبشارة تدل على الأمر من غير تعيين مأمور به، والنذارة تدل على النهي من غير تعيين مَنهي عنه. ومن الأدلة ما يدل على الأمر بنوع من الفعل، أو النهي عن نوع من الفعل، ومنها ما ينتظم المأمورات بأسرها، أو المنهيات بأسرها، ومنها ما يدل على الجميع ...
فمن ذلك قوله تعالى {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، عام للتعاون على كل بر وتقوى، وعام للنهي عن التعاون على كل إثم وعدوان.
ومنه قوله {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] عام في جميع المستلذات، إلا ما استثني، ولا يجوز حمل الطيبات هنا على الحلال، إذ لا جواب فيه؛ فإنه لا يصح أن يقال: يسألونك ماذا أحل لهم، قل: أحلَّ لكم الحلال.".

  • 0

#4 _سالم_

تاريخ المشاركة 19 December 2012 - 04:07 PM

أساليب عرض الكليات في القرآن


للقرآن أساليبه المتميزة في عرض مضامينه وأداء وظائفه، ذلك أنه يخاطب ويعالج الكيان البشري بكل مكوناته وبكل متطلباته دفعة واحدة، ولذلك تمتزج فيه ـ في الموضع الواحد ـ عناصر متعددة للخطاب، أو عناصر متعددة للمعالجة والعلاج، فتجد أسس العقيدة مع جزئيات التشريع، وتجد القصص مع المواعظ، وتجد الحِجَاج المنطقي مع ذكر الجنة والنار، وتجد مشاهد الطبيعة مع تكاليف العبادة...

والكليات القرآنية التي هي موضوعنا، يعرضها القرآن الكريم ضمن هذه الأساليب المتنوعة المندمجة.


- فكثير من هذه الكليات جاء على لسان الرسل والأنبياء، أو ضمن صفاتهم ومواقفهم، أو جاء حكاية عما في كتبهم وشرائعهم. وجميع هذه الصيغ والأساليب، مرماها ومقتضاها : التعليم والتوجيه والتشريع.

من ذلك ـ مثلا ـ ما جاء على لسان نبي الله صالح عليه السلام خطابا لقومه : {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151 ـ 152] ومثله ما جاء على لسان موسى عليه السلام خطابا لأخيه هارون: {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]. وجاء في وصف الأنبياء عموما {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

ومعلوم أننا مأمورون باتباع الأنبياء والاقتداء بأفعالهم وصفاتهم.

ومن الكليات الأساسية التي جاءت محكية عن الرسل والكتب جميعًا، ما في قوله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
وجاء على لسان ذي القرنين {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87 ـ 88]، وهي قواعد ثابتة دائمة في إقامة العدل والإحسان، وليست خاصة بذي القرنين وقومه وأهل زمانه. فالكليات ليس لها انتماء وطني أو قومي أو زمني.


- وكثير من الكليات القرآنية جاء في صيغ وصفية لأحوال ونماذج من الناس. وهي إما تذكر صفاتهم المحمودة والممدوحة، لأجل الاتباع والاقتداء، أو صفاتهم المذمومة والمستنكرة، لأجل الاجتناب والانتهاء.

من هذا القبيل نقرأ قوله جل وعلا: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 19 ـ 25].

ومنه أيضا: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقون وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 36 ـ 40].


- وقد تأتي الكليات القرآنية بصيغ خبرية تقريرية، على شكل مبادئ وقواعد كما في الآيات:

{لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأنعام: 152].
{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83]
{وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 145]


- وتأتي الكليات القرآنية أيضا بالصيغ الصريحة للأمر والنهي ( أوامر كلية ونواهٍ كلية)

فمن الأمر:

{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29].
{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الإسراء: 35].
{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ} [الأنعام: 152].
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34].

ومن النهي:

{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
{وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151].
{وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 183].


- وقد يأتي تقرير المعاني الكلية وتمريرها، مضمنة في الأدعية المطلوبة والمشروعة، من ذلك:

{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، وهو دعاء يقرر ويعلم الطلب الدائم والسعي المستمر لسلوك طريق الهداية والاستقامة.
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201]، وهو دعاء يقرر ويعلم مشروعية التطلع والسعي إلى الحسنات والنعم الدنيوية، إلى جانب نظائرها الأخروية.
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وفيه تحبيب وتوجيه لحفظ النسل وصلاح الذرية، ومشروعية الرغبة والطموح إلى إمامة الناس في التقوى والعمل الصالح.
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا} [البقرة: 286]، وهي أدعية مستجابة، يُستفاد منها عدد من الكليات المعتمدة في الشريعة الإسلامية، وهي:

1 ـ عدم المؤاخذة بما يقع نسيانًا أو خطأ، بدون قصد ولا عمد ولا تفريط.
2 ـ تخفيف الشريعة الخاتمة من الأحكام والتكاليف المشددة التي فرضت على السابقين.
3 ـ لا تكليف بما لا يطاق

  • 0

#5 _سالم_

تاريخ المشاركة 20 December 2012 - 04:14 PM

من الكليات إلى الجزئيات

من خلال ما تقدم من أمثلة وتوضيحات، يمكن القول : إن ما أعنيه بالكليات، أو الكليات الأساسية، هو المعاني والمبادئ والقواعد العامة المجردة، التي تشكل أساسا ومنبعا لما ينبثق عنها وينبني عليها من تشريعات تفصيلية وتكاليف عملية ومن أحكام وضوابط تطبيقية.

فالكليات هنا هي ما يقابل الجزئيات، ولو عبرنا عن الصنفين بالأصول والفروع لكان صحيحا ومطابقا، لكن بالمعنى العام للأصول والفروع، وليس فقط بالمعنى الأصولي الفقهي، الذي يحصر الأصول في أدلة فقهية ( الأدلة الأصولية )، ويحصر الفروع فيما تدل عليه من أحكام فقهية.

الكليات أو الأصول هنا تعني معتقدات وتصورات عقدية، وتعني مبادئ عقلية فطرية، وتعني قيمًا أخلاقية، ومقاصد عامة، وقواعد تشريعية، كما سيأتي بيانه في المبحث الأخير من هذا الفصل.

الكليات هنا هي (المحكمات)، بالمعنى الذي تقدم عن الشيخ ابن عاشور حين قال:
((المحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ)).

والجزئيات ـ أو المفصَّلات ـ هي كل ما يأتي تفصيلًا وتفريعًا وتطبيقًا للكليات، سواء جاء ذلك منصوصًا، أو جاء اجتهادًا من الفقهاء والمجتهدين، أو تنزيلًا وممارسة من المكلفين.

ولمزيد من التوضيح والتمثيل أعود إلى الآية التي سبقت {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..}، وأعود معها إلى الإمام عز الدين بن عبد السلام، الذي بنى على هذه الآية كتابه النفيس (شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال)، وأظهر كيف أن شجرة الشريعة عمومًا متفرعة ومنبثقة عن القواعد الكلية المضمنة في هذه الآية... ومما قاله رحمه الله: " كل من أطاع الله، فهو محسن إلى نفسه بطاعته، فإن كان في طاعته نفع لغيره فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره، وإحسانه إلى غيره قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا، والإحسان عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما ودفع مفاسد الدارين أو إحداهما"( ).

ثم استرسل بغزارة علمه ونصاعة فكره يسرد ويفصل ألوانا من الإحسان المندرج في الآية، إلى أن قال: " فهذه أنواع من جملة الإحسان المذكور في كتب الفقه، ذكرتها ليُستدل بها على ما وراءها من ضروب الإحسان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (في بُضع أحدكم صدقة)، وأي إحسان أتم من الإعفاف والتسبب إلى حفظ الفروج وإلى غض الأبصار، وولادةِ من يوحِّد الله ويعبده، ويشكره ويحمده، ويباهي به الأنبياء...))( ).

إلى أن قال، وهو يتنقل بين كليات الشريعة وجزئياتها: "فلو طلبتَ قتل النملة والنحلة ( يعني حُكمَه ) لوجدته في قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـ 8]، وفي قوله {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة: 205].
ولو طلبتَ سقي الكلاب لوجدته في قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}[الزلزلة: 7]، ولو طلبت قتل الحية والعقرب لوجدته في قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} فإن قتلهما إحسان إلى الناس بما يندفع من شرهما"( ).


وآية الزلزلة هذه التي ذكرها ابن عبد السلام هي أيضا إحدى أعظم الكليات القرآنية، لأن فيها أمرًا وترغيبًا في كل خير، مهما كان مجاله ونوعه ومقداره، وفيها نهي وتحذير من مثل ذلك من الشر. فكل خير وكل شر ـ ولو كان ذرة واحدة ـ فالآية حاكمة عليه، وسيجده صاحبه مكتوبًا له أو عليه، وسيناله جزاؤه {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة في حديث طويل عن الخيل: فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحُمُر فقال: "ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}( ).

وقوله صلى الله عليه وسلم "ما أنزل الله فيها شيئا ـ أي في شأن الحُمُر وأحكامها ـ إلا هذه الآية "، دليل على أن الأحكام العامة تعتبر بمثابة نص خاص في كل ما يشمله عمومها وينطبق عليه، كما أن وصفه الآية بأنها "فاذة جامعة" التفات منه وتنبيه على طبيعتها الكلية الاستغراقية. كما أن هذا الاستدلال النبوي هو إيذان وتوجيه للمسلمين لكي يستمدوا الأحكام الجزئية المعينة من عمومات النصوص ودلالاتها الكلية.

فالآيات الكلية الآمرة بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وصلة الأرحام وبالتعاون على البر والتقوى، وبالرحمة والدفع بالتي هي أحسن، وبالإخلاص والاستقامة وتزكية النفوس وتطهيرها، وبالإنفاق والإرفاق، وبفعل الخير والصالحات وبالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس، وبالوسطية والاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه، وبالشورى وإرجاع الأمور إلى أهلها وذوي الاختصاص فيها، وبالوفاء بالعهود والعقود، وأداء الأمانات لأهلها، وأداء الشهادات، وبالصبر والرفق والحلم والعفو...

وكذلك الآيات الناهية عن الفحشاء والمنكر والبغي والظلم والرجس، وعن اتباع الظن والهوى، واتباع الشهوات، وعن العلو والفساد في الأرض،وعن التبذير والإسراف، وأكل الأموال وإيتائها بالباطل، وعن الإضرار بالنفس أو بالغير، وعن الغدر والخيانة ونقض العهود، وقطع الصلات والأرحام...

هذه الكليات، وغيرها كثير، يمكن ويجب التحلي بها والاحتكام إليها والاستمداد منها، فيما لا نهاية له من القضايا والحوادث والمشاكل التي تجدُّ وتتكاثر في كل يوم وفي كل مكان، مما ليس له حكم خاص به وصريح فيه.

بل إن هذه الكليات تعطي بمجموعها، أو بمجموعة منها، كليات أكبر وأعم، هي المبادئ العليا والمقاصد الكبرى للتشريع الإسلامي، بل هي معالم الدين وركائزه وأسسه وأركانه، فهي بذلك تكون كليات حاكمة وكليات ناظمة، فوظيفتها لا تقتصر على مرجعيتها وحجيتها فيما لا نص فيه، بل هي الأصول والأمهات لكل ما يندرج تحتها من الفروع والجزئيات، سواء كان منصوصًا أو غير منصوص، ومن هنا يكون تحكيمها أيضا في التفسير والتأويل، والتقييد والتخصيص، لما هو منصوص من الأحكام التفصيلية الجزئية.

ولما كانت الشرائع والرسالات التي أنزلها الله تعالى لعباده في مختلف العصور والأمم، تشترك في أصولها ومقاصدها وقواعدها العامة، فإن هذه الكليات المبثوثة في القرآن الكريم ـ وبعضها وارد في السنة النبوية ـ هي القسم الثابت المشترك بين الكتب والشرائع المنزلة كلها. وهذا ما يوضحه المبحث الموالي.

  • 0

#6 _سالم_

تاريخ المشاركة 21 December 2012 - 04:00 PM


الكليات المشتركة بين الكتب المنزلة

حينما نتحدث عن الكتب المنزلة، فنحن نتحدث عن كتب متعددة، وحتى أسماؤها مختلفة، فضلا عن اختلاف عصورها وظروف تنزيلها، ولكن هذه الكتب يجمعها أنها صادرة ومَنَّزلة من جهة واحدة، من الله تعالى رب العالمين، وموجهة إلى جهة واحدة : الإنسان من حيث هو إنسان، ولغرض واحد، هو هداية الإنسان {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى..} [ البقرة: 38] .

بكلمة أخرى: الكتب المنزلة متعددة مختلفة باعتبارات،ومتحدة مشتركة باعتبارات أخرى. الكتب المنزلة ـ والشرائع المبثوثة فيها ـ تتفق في أمور وتختلف في أمور.

وما دام موضوعها هو الإنسان، وهداية الإنسان، ومتطلبات هداية الإنسان، ورقي الإنسان وصلاحه،وسعادته في الدنيا والآخرة.
وما دام الإنسان هو الإنسان، في جوهره وطبيعته، في خصائصه ونقائصه، في صفاته ومقوماته، في ميوله واحتياجاته الأساسية، في هذه الأمور كلها : الإنسان هو الإنسان، من آدم إلى آخر ولد آدم.

ما دام الأمر كذلك، فلا بد أن تكون هناك أشياء كثيرة يشترك فيها الناس، ويتساوى فيها الناس، على الأقل في أصولها وجملتها. وهذا لا يقتصر على الجوانب المعنوية والخُلقية والروحية والسلوكية، التي هي الأقرب إلى موضوعنا وسياقنا، بل هي أظهر وأرسخ في الجوانب المادية والخَلْقية والغريزية...

فالاحتياجات والآفات المتعلقة بالأبدان، وكذلك الشهوات المرغوبة، والآلام المكروهة، وما يترتب عليها من أحوال وتفاعلات نفسية وتصرفات فعلية... هي اليوم على ما كانت عليه من أول الزمان. ولكن في كل هذه الأمور، نستطيع أن نرصد ونسرد تغيرات واختلافات لا تحصى ولا تتوقف، في المظاهر والأشكال، في الأساليب والأنماط، في الوسائل والأدوات، في الدرجات والأولويات...
فهكذا الأمر تقريبا في القضايا الدينية والخلقية والسلوكية.

على هذا الأساس، وعلى هذا النحو، تنزلت الكتب والشرائع، جامعة بين الوحدة والتعدد، بين الائتلاف والاختلاف، بين الثبات والتغير.
فمن جهة: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى …} [الشورى: 13]،
ومن جهة أخرى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

فالكتب والشرائع المنزلة متفقة في الكليات، مختلفة في الجزئيات. واختلافها في الجزئيات لا يعني اختلافها في جميع الجزئيات، بل المقصود أن الاختلاف في الجزئيات والتفاصيل جار وواقع بين الشرائع، من حيث المبدأ وعلى وجه الإجمال، وقد توجد جزئيات مشتركة بين شرائع متعددة ومتباعدة.

أما الكليات، وكذلك أصول الفرائض والمحرمات، فهي ثابتة مشتركة بين جميع الكتب والرسالات، يقول ابن تيمية مبينا معنى هيمنة القرآن على الكتب السابقة : "وقرر ما في الكتب المتقدمة من أصول الدين وشرائعه الجامعة، التي اتفقت عليها الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ كالوصايا المذكورة في آخر سورة الأنعام، وأول سورة الأعراف، وسورة سبحان، ونحوها من السور المكية..."( ).

- وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
قال القاضي أبو بكر بن العربي: "المعنى: ووصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا، يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع، وهي التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، والتزلفُ بما يرُد القلب والجارحة إليه، والصدقُ، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والإذايةِ للخلق كيفما تصرفت، والاعتداءِ على الحيوانات كيفما كان،( ) واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات... فهذا كله شُرِعَ دينا واحدًا وملة متحدة، لم يختلف على ألسنة الأنبياء"( ).

- وهذا المعنى موجود كذلك في قوله سبحانه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8].
فالآية تذكر أن الله تعالى أخذ الميثاق على كافة الأنبياء، ثم تذكر وتسمي منهم خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، ثم كبارهم ومشاهيرهم، من نوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى، عليهم جميعًا صلاة الله وسلامه.

هذا الميثاق الغليظ يمثل أساس التدين وإقامة الدين المذكورة في الآية السابقة. قال ابن عاشور: "وهذا الميثاق مجمل هنا، بينته آيات كثيرة، وجماعها: أن يقولوا الحق ويبلغوا ما أمروا به، دون ملاينة للكافرين والمنافقين ولا خشية منهم، ولا مجاراة للأهواء، ولا مشاطرة مع أهل الضلال في الإبقاء على بعض ضلالهم."( ).

- ومن الأسس المشتركة الثابتة في كل الرسالات والكتب المنزلة، ما جاء في قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)} [سورة الأعلى]

فتزكية الإنسان نفسه، وإيثار الآخرة لأنها خير وأبقى، هما من المقاصد العليا ومن الثوابت المشتركة بين الكتب المنزلة. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ مزيد بيان في الفصل اللاحق.

- ومما هو مشترك كذلك بين القرآن الكريم وصحف إبراهيم وموسى، ما جاء في قوله عز وجل {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى} [النجم: 35 ـ 41].

ففي هذه الآيات قواعد كلية جليلة، ومن جلالتها أن تتكرر وتستمر في شرائع الله وكتبه المنزلة منذ إبراهيم وموسى. ففيها قاعدة ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) وهي من أكبر قواعد العدل والفقه والتشريع، وتزداد أهميتها والحاجة إليها لكثرة ما يقع من تجاهلها وتجاوزها في معاملات الناس وقوانينهم وسياساتهم وأحكامهم...
وفيها أن الإنسان ـ في الدنيا والآخرة ـ ليس له ولا عليه إلا ما كسبه وسعى فيه، وأن سعيه وكسبه محسوب له أو عليه، ومنظور إليه لا يفوت شيء منه.
وأنه مجزي بكسبه وعمله جزاء تامّا غير منقوص.

- ومن الكليات المشتركة بين الأنبياء وشرائعهم ما ذكره الله تعالى بقوله {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73].
فهم دعاة هداية بأمر الله وإلى أمر الله.
وهم ينشرون الخير ويعلمون الناس فعل الخيرات.
وهم أهل صلاة وزكاة وعبادة لله وحده.

- ومن الكليات التي تكررت في القرآن على لسان أنبياء عديدين: تثبيت الإصلاح ومنع الإفساد {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56].
{فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74].
{كُلُواْوَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقر ة: 60 ـ هود: 84 ـ العنكبوت: 36 ـ الشعراء: 183].

- وغير بعيد عن هذه المبادئ والأصول المتكررة والمتجددة من رسالة لأخرى، ما تضمنه قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].

فقد تضمنت الآية:
1 ـ الأمربعبادة الله تعالى، ورأسها الصلاة المعبر عنها بالركوع والسجود.
2 ـ الأمر بفعل الخير، بإطلاق وبدون تحديد ولا تخصيص ولا حصر.
3 ـ الأمر بالجهاد والمجاهدة لله.
4 ـ نفي الحرج في هذه الملة.
5 ـ وأن هذه الملة بمبادئها الكلية المذكورة، ليست جديدة ولا خاصة بالرسالة المحمدية وأتباعها، بل هي ملة أبينا إبراهيم، وطبعًا هي ملة جميع الرسل.
وإلى غاية البعثة المحمدية كان هناك طائفة من أهل الكتاب، ما تزال تحافظ وتواظب على المبادئ الأساسية في كل آيات الله المنزلة، ذكرهم القرآن ونوَّه بهم بقوله: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114].

وهذه كلها أصول وأحكام أساسية في الشريعة الإسلامية.



  • 0

#7 _سالم_

تاريخ المشاركة 22 December 2012 - 04:09 PM


الضروريات الخمس المشتركة بين الملل

مما استقر عليه الأمر عند عامة علماء الشريعة، كون أحكامها وتكاليفها دائرة حول حفظ الضروريات الخمس، وهي : الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وتطرقي الآن ـ في هذا البحث وفي هذا المبحث ـ إلى موضوع ( الضروريات الخمس) يأتي لاعتبارين :
الأول : هو أنها من كليات الشريعة.
والثاني : هو أنها ثابتة محفوظة في جميع الملل.
فأما كونها من الكليات، فأظهر مظاهره ودلائله هو أنها ـ فعلا ـ تسمى (الكليات الخمس)، بل أكثر ما يراد بلفظ الكليات في كتب الشريعة، هو هذه الكليات الخمس.
وهي كليات، لأن كل واحد منها يجمع ما لا يحصي ويستتبع ما لا يحصي من الجزئيات، فحينما نقول : حفظ الدين، أو حفظ النفس، أو حفظ المال...، فنحن نعني تلقائيا آلاف الأحكام الجزئية المنصوصة صراحة أو ضمنا، وآلافا أخرى يتعين القول بها استنباطًا واجتهادًا واستصلاحًا.
وبالنظر إلى واقع الناس وواقع الحياة، نجد أن كل عنوان من هذه العناوين الخمسة، يشكل محورًا من المحاور الكبرى لحياة الناس أفرادًا وجماعات، بحيث يندرج فيه من جزئيات المصالح ما لا ينحصر.
والحكم بالصفة الكلية لهذه المصالح الأمهات الجامعة، ينبع من استقراء تفاصيل الشريعة وتفاصيل الحياة البشرية نفسها، فهي ـ لذلك ـ تعتبر كليات استقرائية.
وأما كونها مما أجمعت على حفظه الشرائع والكتب المنزلة، فقد صرح به وسلم به علماؤنا في مختلف العصور، ومن أقدمهم تنبيها وتصريحا بذلك، الفيلسوف أبو الحسن العامري ( ت 381 هـ )، في كتابه القيم ( الإعلام بمناقب الإسلام ). فقد ذكر المحاور الأربعة الكبرى التي تقوم عليها كافة الأديان والشرائع المعروفة، وهي : الاعتقادات ، والعبادات ، والمعاملات، والمزاجر، ثم قال : " وأما المزاجر فمدارها أيضا عند ذوي الأديان الستة لن يكون إلا على أركان خمسة :
ـ مزجرة قتل النفس، كالقود والدية.
ـ ومزجرة أخذ المال، كالقطع والصلب.
ـ ومزجرة هتك الستر، كالجلد والرجم.
ـ ومزجرة ثلب العرض، كالجلد مع التفسيق.
ـ ومزجرة خلع البيضة، كالقتل عن الردة.".


فهذا النص لأبي الحسن العامري، قد يكون أقدم نص يذكر هذه الكليات الخمس، أو الأركان كما وصفها، ولو أنه عبر عنها بغير المصطلحات التي ظهرت واستقرت مع الجويني والغزالي ومن بعدهما.
والذي يعنيني منها الآن أكثر، هو اعتباره هذه الأركان مشتركة بين جميع الأديان، بما فيها الديانات الشركية بما تحمله بقايا أصولها المنزلة.
ثم جاء الغزالي، فتحدث عن الضروريات الخمس التي يسميها أصولًا، ثم قال : "وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجرُ عنها، يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق. ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر".

ثم توالت أقوال الأصوليين وغيرهم من العلماء شبيهة بما قاله الغزالي ـ رحمه الله ـ ومنهم الشاطبي الذي يقول : "ومجموع الضروريات خمسة، وهي : حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل . وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة" . وبعد أن ذكر الأقسام الثلاثة للمصالح، وهي قسم الضروريات، وقسم الحاجيات، وقسم التحسينات، قال : " المقصود الأعظم في المطالب الثلاثة المحافظة على الأول منها، وهي قسم الضروريات، ومن هنالك كان مراعى في كل ملة، بحيث لم تختلف فيه الملل كما اختلفت في الفروع، فهي أصول الدين وقواعد الشريعة وكليات الملة."
  • 0

#8 _سالم_

تاريخ المشاركة 23 December 2012 - 05:06 PM


الكليات الصغرى أو الجزئيات الكبرى

إذا كانت الضروريات الخمس محفوظة في جميع الملل، وهي من الكليات المشتركة بين الكتب والشرائع المنزلة، فمن الطبيعي أن تكون هناك أحكام تفصيلية مشتركة تتضمن وتضمن حفظ هذه الكليات. فمهما تعددت صور تحقيق هذه الكليات، ومهما تنوعت أشكال إقامتها وأحكام حفظها، فلا بد أن يكون بينها ما هو مشترك ومتشابه من هذه الصور والأحكام التفصيلية التطبيقية.
ومن هنا، فإن المشترك بين الملل والشرائع، لا يقف عند كلياتها الكبرى وعناوينها العامة ومحاورها الأساسية، بل يضم العديد من الأحكام والتشريعات العملية.

فإذا كان حفظ الدين من الكليات الكبرى المشتركة، فإن من توابعه المشتركة، المعتقدات الثابتة، وكذلك العبادات الأساسية؛ من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وجهاد.وكذلك التحريم والإبطال لكل أشكال العبادة والتعبد لغير الله...

وإذا كان حفظ النفس من الكليات الكبرى المشتركة، فإن من لوازمه وأحكامه المشتركة، تحريم القتل، والعدوان، وفرض العقوبات الزاجرة، وتحريم المساعدة على القتل وما يفضي إليه.

وإذا كان حفظ العقل مشتركا، فمن لوازمه المشتركة الدعوة إلى التفكر والتعقل، وتحريم كل ما يعطل العقل ويزري به، وخاصة المسكرات بكل أشكالها.

وكذلك حفظ النسل، تتبعه أحكام مشتركة لا مفر منها ولا غنى عنها،كمشروعية الزواج وصيانة مؤسسة الزوجية، ومؤسسة الأسرة، وتحريم الزنا، والشذوذ الجنسي، وتحريم القذف، وتحريم الإجهاض والوأد...

وحفظ المال يستتبع ولا بد أحكاما مشتركة كمشروعية الكسب والتملك والمعاوضة، وتحريم الغصب والسرقة والإسراف والتبذير، وتحريم أكل المال بالباطل كالرشوة والربا والغش.

فهذه الأحكام العملية التفصيلية رغم طابعها الجزئي التطبيقي، فإننا نجدها مستقرة ومستمرة من شريعة لأخرى ومن كتاب لآخر، ولذلك يعدها كثير من العلماء ضمن الكليات والأصول.
والحقيقة أن مثل هذه الأحكام التفصيلية المشتركة بين الشرائع، هي أحكام جزئية من وجه وهي كليات من وجه آخر، أو من وجوه أخرى.
فهي جزئية باعتبارها تختص بأفعال وتكاليف معينة ومحددة، كالصلاة، والزكاة، والقصاص، والجهاد، والزواج، والقذف، والزنا، وبر الوالدين، وشرب الخمر، والسرقة، والربا، والغصب...

ولكنها كلية، أو شبه كلية، من وجوه:

1 ـ وجودها واطرادها في الشرائع المنزلة لمختلف الأمم وفي مختلف العصور، وهذا يشير إلى أنها أحكام نوعية، وأنها تمثل أسسًا وقيمًا معيارية للحياة البشرية، على اختلاف أهلها وأزمانها.
2 ـ هي تمثل ـ في غالبها ـ الفرائض الكبرى،والمحرمات الكبرى، أو أمهات الفرائض وأمهات المحرمات. فهي أحكام أساسية، يتوقف عليها ويمر عبرها، تحقيق الكليات المجردة والعامة.
3 ـ هي جزئيات واسعة الانتشار كثيرة الآثار، بسبب كثرة وقوعها، وكثرة الحاجة إليها، وكثرة المعنيين بها.
فهذا يعطيها قيمة كلية رغم جزئيتها في الأصل. فهي جزئية إذا نظرنا إلى كونها تصرفا معينا، له حكم فقهي جزئي، هو الوجوب، أو التحريم. وهي كلية، حين ننظر إلى أهميتها وآثارها وتداعياتها....

وفيما يلي نموذج من هذه الأحكام ( الجزئية / الكلية ) المشتركة بين الكتب والشرائع المنزلة.

تسع آيات بينات..؟

قال الله عز وجل {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]. وقد اختلف المفسرون في المراد بهذه الآيات التسع التي آتاها الله نبيه موسى عليه السلام. وهذه محاولة لتحقيق المسألة وتحديد معنى هذه الآيات.

تستعمل (الآيات) في القرآن الكريم بمعنى آيات الله المتلوة في كتبه المنزلة، ومنها آيات القرآن نفسه، ومنها الآيات في قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ} [آل عمران: 113] وفي قوله سبحانه {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وقوله {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: 71].

كما تستعمل بمعنى المظاهر والدلائل الباهرة التي خلقها الله تعالى أو يخلقها متى شاء، وتكون دالة على وجوده وقدرته، أو دالة على صدق رسله في دعواهم ودعوتهم، وذلك في مثل قوله عز وجل {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ} [غافر: 81]، وفي قوله {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4]، وفي دعاء زكريا عليه السلام {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران: 41]، وفي قوله عز وجل {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109].
وقد اختلف المفسرون في الآيات التسع التي أوتيها موسى، هل هي من الآيات المنزلة المتلوة، أم هي من الآيات الكونية الباهرة؟
ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآيات التسع هي من الصنف الثاني، وأنها هي التي ذُكر بعضها في قوله تعالى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} [الأعراف: 133].
وبما أن هذه الآيات المذكورة هنا عددها خمس، والأخرى تسع، فقد أضافوا إلى الخمس أشياء أخرى من بين معجزات موسى عليه السلام، كالبحر واليد والعصا، ونحوها، على خلاف في تحديد هذه الأربع المتبقية....
ويستند أصحاب هذا القول إلى لفظ ( آيات ) المذكور في الموضعين، وأيضا إلى ورود ( تسع آيات ) في قوله تعالى خطابا لموسى أيضا: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل: 12].
كما يستندون إلى ما يروونه بهذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبعضهم يستأنس حتى بما في التوراة من هذه الأشياء....
وقد بالغ القاضي ابن عطية، حين اعتبر أن هذا التفسير متفق عليه، حيث قال: " اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف، هي من بين هذه التسع، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي يده، ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه، والبحر..."
ورغم أن أكثر المفسرين على هذا القول، فلا شك أن الاتفاق غير حاصل عليه، وأن الاختلاف ثابت في تفسير هذه الآيات التسع. فشيخ المفسرين ابنُ جرير الطبري يقول عند تفسيره لها: "وقد اختلف أهل التأويل فيهن وما هن... " ثم أورد الرأيين معا.
وقال الفخر الرازي:"وفي تفسير قوله تعالى {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أقوال، أجودها ما روى صفوان بن عسال... " وسأورد الحديث بعد قليل.
وقال القرطبي: "قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}، اختُلف في هذه الآيات، فقيل: هي بمعنى آيات الكتاب.. وقيل: الآيات بمعنى المعجزات والدلالات..."
وقد استعرض الآلوسي التفسيرين معاً، ثم رجَّح تفسير الآيات بمعنى الآيات المنزَّلة المتضمنة للأحكام.
وعمدة هذا التفسير الثاني، هو الحديث الذي رواه صفوان بن عسال: أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله. فقال: لا تقل نبي، فإنه إن سمعها ـ تقول نبي ـ كانت له أربعة أعين. فأتيا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف. وعليكم يا معشر يهود خاصة: لا تعدوا في السبت. فقبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي. قال فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن دواد دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف أن تقتلنا اليهود.( )

ومما يعضد عندي هذا الحديث، وهذا التفسير الذي تضمنه، ما يلي:
1 ـ أن الآيات المفصَّلات، التي هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، كانت موجهة إلى فرعون وقومه، عقابا لهم، وعليهم يعود الضمير فيها (فأرسلنا عليهم). ويؤكد هذا ما في الآية الأخرى {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ}. فهي لم تنزل إلى موسى ولم يؤتَها موسى ولا هي موجهة إليه، بل هي موجهة مباشرةً وبدون واسطة، إلى فرعون وقومه.
2 ـ لفظ ( آتَينا ) ـ في قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى...} ـ لا يُستعمل في القرآن إلا في الخير والإنعام والامتنان، وبصفة خاصة وغالبة جدا، في إيتاء الكتب والآيات المتلوَّة. وأمثلة ذلك بالعشرات في القرآن الكريم، ولم يستعمل قط فيما ينزله الله تعالى من آيات مادية، عقابا للظالمين وتنبيها للغافلين.
3 ـ بعد ذكر الآيات التسع التي أوتيها موسى وتكذيبِ فرعون لها، نجد قول موسى لفرعون {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ} [الإسراء: 102]، وهذا الوصف للآيات بأنها بصائر، هو ما وُصف به الكتاب الذي أوتيه موسى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43]. فهي بصائر بعضها من بعض.
4 ـ الآيات البينات التي أوتيَها موسى، تبدو مماثلة لتلك المذكورة في قوله تعالى في مطلع سورة النور {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}.
فالآيات البينات هنا هي كما قال ابن جريج: " الحلال والحرام والحدود " ، فهي كما قال الطبري: "علامات ودلالات على الحق بينات، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الحق المبين، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم."( )
والنتيجة عندي أن الآياتِ التسعَ البينات، التي أوتيها موسى ودعا إليها، هي غير الآيات التسعِ، التي أرسلها الله على فرعون وقومه نقمة وعقوبة، فليست التسع هي التسع،ولكنها تسع في مقابل تسع، تسع كذَّبوا بها، وتسع عوقبوا بها، والله تعالى أعلم وأحكم.

وعلى هذا المعنى، فإن الآيات التسع التي أوتيها موسى إنما هي أحكام، أو آياتُ أحكام، تضمنت ما ذكره الحديث:

1 ـ النهي والتحذير من الشرك.
2 ـ تحريم الزنا.
3 ـ تحريم قتل النفس إلا بالحق.
4 ـ تحريم السرقة.
5 ـ تحريم السحر.
6 ـ تحريم السعي والتسببِ في قتل الأبرياء.
7 ـ تحريم الربا.
8 ـ تحريم القذف.
9 ـ تحريم الفرار من الزحف عند الجهاد في سبيل الله.

وهذه الأحكام كلها موجودة في مواضع عديدة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية. ولعل أجمع نص لها، هو قوله صلى الله عليه وسلم: {اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات}( ). وهي ـ كما لايخفى ـ أحكام أساسية ومباشرة في حفظ الكليات الخمس التي أجمعت على حفظها جميع الشرائع المنزلة. قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: " المصالح ثلاثة أقسام: أحدها واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل شريعة... والمفاسد ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة؛ وذلك كالكفر، والقتل، والزنى، والغصب، وإفساد العقول..."( ).


  • 0

#9 _سالم_

تاريخ المشاركة 24 December 2012 - 04:03 PM


كليات القرآن تصنيف وبيان

رأينا فيما سبق أن الكليات منها ما هو منصوص بعبارات جامعة، في آية واحدة، أو في جزء من آية، ومنها ما يأتي ضمن مجموعة من الآيات المتضمنة عدة معان وأحكام كلية، أو تجمع كليات وجزئيات في سياق واحد.
وهناك كليات تم التوصل إليها واستنتاجها، باستقراء واسع للأحكام الجزئية المبثوثة في الكتاب والسنة، وهذه حال الضروريات الخمس، أو الكليات الخمس، وغيرها من الكليات الاستقرائية.
ومعنى هذا أن الكليات الشرعية لم ترد مصنفة ولا مبوبة ولا مميزة، وهذا هو شأن القرآن الكريم ومنهجه في عرض مضامينه وأحكامه الكلية والجزئية على حد سواء.
فالقرآن الكريم ليس كتابا مدرسيا، وليس مؤلفا فلسفيًا، ولا هو مدونة قانونية، بل هو ابتداء وانتهاء : كتاب هداية وتزكية {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]،{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1 ـ 2].
وباء على هذه الغاية وخدمة لها، تنتظم أحكامه وتكاليفه ومضامينه، جزئية كانت أوكلية. فكليات القرآن ـ وسائر مضامينه ـ تأتي وفق أغراضه وحكمته ومراميه، في مخاطبة الكيان البشري والواقع البشري مجتمِعا متداخلا متفاعلا، لأجل هدايته وتزكيته وترشيده. ولكنه ـ مع ذلك ـ يشكل مجالا ومنجما للدارسين والمدرسين، والناظرين المتدبرين، والمستنبطين والمتشرعين، والمتوسمين والمعتبرين...
من هذا الباب، أو من بعض هذه الأبواب، تأتي هذه المحاولة للتصنيف والبيان، للكليات المبثوثة في القرآن.
والمعتمد عندي حتى الآن، هو تصنيفها إلى أربعة أصناف:
الصنف الأول: الكليات العقدية.
الصنف الثاني: الكليات المقاصدية.
الصنف الثالث: الكليات الخلقية.
الصنف الرابع: الكليات التشريعية.


وهذا التصنيف تعترضه وتكتنفه صعوبات وإشكالات عديدة.
فأولا: لم يكن عندي نموذج سابق أبني عليه أو أنسج على منواله. فالذين تحدثوا من قبل عن الكليات، من مفسرين وأصوليين وغيرهم، تناولوها مجملة ممزوجة، على ما هي عليه، أو بشكل عرضي مقتضب،حسب أغراضهم في مصنفاتهم، أو تناولوا قاعدة واحدة أو عددا قليلا في موضوع معين...
وثانيا: هذه الكليات جاءت في صيغ وسياقات مختلفة، من قصص وأمثال وأدعية ووعد ووعيد وطلب وخبر ومدح وذم...، حتى إن كثيرًا منها لا يكاد يُتفطن إلى معناه الكلي، ولا حتى إلى دلالته الاقتضائية.
وثالثا: هذه الأصناف كلها مترابطة متداخلة. فما من صنف تنظر فيه وفي بعض قواعده الكلية، إلا وتجد معاني الصنف الآخر، أو الأصناف الأخرى، داخلة معك بوجه من الوجوه وبدرجة من الدرجات.
فالقيم الخلقية موجودة في الأصول الاعتقادية، وهذه مستصحبة مندمجة في الأصول التشريعية، والأصول التشريعية هي في أصلها نابعة من القيم خلقية، والجميع يمثل مقاصد الشارع في خلقه وشرعه.
وهذا الذي يقال في الأصناف، يصدق على كثير من الكليات منفردة كلَّا على حدة..
ولو جاء باحث آخر فجعل أصناف الكليات خمسًا أو عشرًا أو غير ذلك، لكان ذلك ممكنًا بوجه من الوجوه.ولو أخذ قاعدة من هذا الصنف فجعلها تحت صنف آخر، لكان له في ذلك وجه.
فلذلك لا بد من التسليم والاعتراف بأن ما أقدمه في المباحث الآتية من فرز وتصنيف للكليات، إنما هو على سبيل( التقريب والتغليب ).


  • 0

#10 _سالم_

تاريخ المشاركة 25 December 2012 - 10:54 PM

الصنف الأول: الكليات العقدية

المقصود هنا بالكليات العقدية الأصول الاعتقادية الإيمانية الكبرى، وهي التي تمثل المرتكزات الأولية للدين، فهي أولية في الفطرة وفي العقل والنقل، وقد سماها ابن رشد (مبادئ الشريعة) باعتبار أن الشريعة بمعناها الواسع ترجع إلى هذه المبادئ. وتبتدئ منها. ويأتي في مقدمة هذه المبادئ، أو الكليات، العقدية "الإقرار بالله تبارك وتعالى، وبالنبوات، وبالسعادة الأخروية والشقاء الأخروي".
ونبه ابن رشد ـ وغيره ـ إلى أن هذه الحقائق الكلية تبلغ من الثبوت والوضوح وكثرة الدلائل المجلية لها، حدًا لا يعذر فيه أحد.
الإيمان بالله ـ الذي هو رأسها وأصلها ـ هو أولا وقبل كل شيء، قضية منهجية خُلُقية. ذلك أن الإيمان بالله تعالى، هو استجابة تلقائية اضطرارية لحقيقة ظاهرة باهرة، يشهد بها كل شيء، وينطق بها كل شيء.

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ _______________ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ

فالجحود والإنكار في هذا المقام لا يمكن أن يكون إلا انحرافًا متعمدًا صارخًا، أو هو بمثابة انتحار عقلي وفطري.
الجانب المنهجي في هذه القضية يكمن في اتباع الدلائل والحجج والآيات البينات، أو في إهدارها وإسقاط حجيتها ومقتضياتها.
والجانب الخلقي فيها يكمن في الاستجابة والتسليم للحق والحقيقة، استقامة وتواضعًا، أو في العناد والتعنت، استكبارًا واستهتارًا.
إنه الاختيار بين طريق الهداية أو طريق الجناية...{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال/42]
فالإيمان بالله والارتباط به والانتساب إليه، يثبت للإنسان كرامته ورفعته ويعطيه عزته وطمأنينته وسعادته.
وأما ضدُّه ـ مِن كُفرٍ وشرك وإلحاد ـ فيفقده كل هذه المكتسبات ويعطيه أضدادها.
الإيمان يجعل صاحبه متجها ومنجذبا إلى ما آمن به، وذلك طريق الاستقامة والارتقاء والتقرب، والعكس في العكس {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4 ـ 6].
ومعرفة الله تعالى وصفاته، ونعمه وخيراته، هذه المعرفة تشكل نقطة البداية في توجيه السلوك البشري، أي بداية المقتضى التشريعي العملي لعقيدة الإيمان، فمعرفتنا بالله من خلال صفاته وخيراته، تملي علينا السلوك اللائق واللازم، مع صاحب هذه الصفات والخيرات، على نحو ما قال الشاعر "إذا أنت أكرمت الكريم ملكتَه" . وإذا قيل هذا في إكرام الناس، فكيف بكرم الله، وهو سبحانه مصدر كل كرم ، وكرم الناس لا شيئ مع كرمه؟ ثم هو مالكنا حتى لو لم يكرمنا، فكيف وقد أسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ما لا يحصى؟
على أن تعاملنا مع الله تعالى، إنما هو في النهاية والنتيجة عائد إلينا وإلى من حولنا وما حولنا {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، فالإنسان حين يحسن مع ربه، إنما ينفع نفسه وغيره من الخلائق. ثم يعود ذلك إليه {ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195]
نقطة البداية العملية التشريعية للكليات العقدية، هي القاعدة الكبرى المقررة عند علماء العقيدة وعلماء الأصول ( شكر المنعم واجب ) .
وهذا هو المعنى الذي افتتح الله به كتابه، وافتتح به الكليات الأساسية في كتابه :
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1]، وهي القاعدة الكلية، العقدية التشريعية، التي نفتتح بها كل صلواتنا وكل ركعاتنا.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: شكر رب العالمين واجب، وهو أول الواجبات ورأس الواجبات.
وحمد الله تعالى المذكور هنا ( الحمد لله )، معلل بالصفات التي أوجبت حمده وشكره،وهي: {رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ - مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 ـ 4]، فهو {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى: 2 ـ 4] هو الذي يَرُبُّ ويربي، وينعم ويكرم، ويعطي ويهدي....
قال الفخر الرازي في "الفائدة السادسة عشرة" عند تفسير قوله تعالى : {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ} من سورة الفاتحة: "وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معًللا بذلك الوصف. فهنا أثبتَ الحمد لنفسه، ووصف نفسه بكونه تعالى رباًّ للعالمين، رحماناً رحيماً بهم، مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة، فهذا يدل على أن استحقاق الحمد إنما يحصل لكونه رحمانا رحيما بهم"
وهذا هو المعنى المشار إليه ـ أو المصرح به ـ في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، وقوله {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}[قريش: 3 ـ 4]. على أن وجوب شكر المنعم على إنعامه، لا يقف عند الإنعام المادي والدنيوي لربوبيته ولرحمته سبحانه، بل هو منعم ورحيم كذلك بما أرسله من رسله وما أنزله من كتبه وما شرعه لنا من شرائعه، فكل هذا وغيره يقتضي شكر المنعم، وذلك بطاعته وعبادته وامتثال أمره ونهيه.
ومن هنا أيضا يأتي الإيمان بالنبوات، وضرورة اتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فهم مبلغون دعاة، ومصلحون هداة. {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}[الإنعام: 90]
وعن طريق النبوة والأنبياء، جاءتنا عقيدة اليوم الآخر، بما فيها من حساب وثواب وعقاب. وبها يعرف كل واحد مسئوليته عن كل ما يصدر عنه، وأن كل ذلك محسوب له أو عليه، وأنه مجزي به الجزاء الأوفى.
فالإيمان باليوم الآخر، هو فرع عن الإيمان بالله، لأنه إيمان بأننا تحت رقابته عز وجل، وتحت سمعه وبصره سبحانه، وأننا راجعون إليه، وقائمون بين يديه، ليلقي كل واحد ما قدم وما أخر. وكل هذا له مقتضيات تشريعية وآثار عملية. فالإيمان باليوم الآخر وما فيه، يعلِّم الشعور بالمسؤولية وتقديرَ المسئولية، ويعلم التصرف على أساس المراقبة والمحاسبة {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}[يس: 12]
فمن آمن بالله واليوم الآخرحقا، من عرف مقام ربه ووقوفه بين يديه، لا بد أن يكون لذلك أثر في حياته وسلوكه، مثلما سيكون له أثر وخطر في مآله بعد مماته، ومن أعرض ونأى بجانبه، كانت حياته وسلوكه ومآله على وفق ذلك {فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 ـ 41].
وكما أن هذه الأسس الاعتقادية، تمثل المصدر الأول والنبع الأول لكل تشريع إسلامي، حيث تنبثق الشريعة من العقيدة، فإن السلوك الشرعي ينبثق أيضا من العقيدة ومن مقتضى العقيدة، مهتديًا في سيره بالشريعة وأحكام الشريعة. وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذا المعنى المضمن في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 ـ 25].
قال ابن القيم رحمه الله: "فشَبَّه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة... ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها،ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقها، ومراعاته حق رعايتها....
... فالمؤمن دائمٌ سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتم".

  • 0

#11 _سالم_

تاريخ المشاركة 28 December 2012 - 12:13 AM

الصنف الثاني : الكليات المقاصدية

الكليات المقاصدية، أو المقاصد الكلية، هي المعاني الأولية والغايات الأساسية الجامعة، التي لأجل تحقيقها خلقت الخلائق ووضعت الشرائع والتكاليف، وعلى أساسها كانت الحياة والموت، والبعث والنشور.
وبما أن هذه المقاصد هي مقاصد الرب سبحانه، فلا بد أن يكون تحديدها والتصريح بها صادراً عنه وعن كتابه الكريم، فمثل هذه المسألة لا تحتمل التخمينات ولا التأويلات ولا الاستنتاجات، بل لابد أن تأتي صريحة ساطعة قاطعة.

وفيما يلي أهم الكليات المقاصدية في القرآن الكريم.

1 ـ ليبلوكم أيكم أحسن عملًا

جاء التصريح في آيات كثيرة بأن الله تعالى خلق عباده، وأعطاهم وكلفهم، ليبتليهم، أو ليبلوهم. ومضمون هذا الابتلاء هو أن الناس مدعوون إلى أن يحسنوا العمل ويحسنوا التصرف فيما آتاهم الله، وأن يتنافسوا في الخير والإحسان والإصلاح والعمران، وأن هذا يضمن لهم سعادتهم ورضى ربهم، في الدنيا والآخرة.
قال تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [تبارك: 1 ـ 2].
وقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7].
وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7].
فالآيات صريحة متطابقة بأن القصد من خلق الإنسان وخلق الحياة والموت، وخلق الأرض وما عليها، وخلق السماوات وما فيها، إنما هو ابتلاء وتكليف للإنسان بأن يتصرف ويستفيد، ويحسن ولا يسيء، ويصلح ولا يفسد، بل أن يتنافس الناس في الإحسان والخير والنفع، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}.
قال الفخر الرازي: "واعلم أنه لما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم، فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب، وتخصيص المسيء بالعقاب."( ).
وأول الإحسان، مقابلة الإحسان بالإحسان {هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]، {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].
ومن هنا جاءت قاعدة ( شكر المنعم ) . ومن هنا كان رأس الإحسان، وباب كل إحسان، هو عبادة الله تعالى، فما من إحسان إلا وهو ضرب من العبادة والتعبد لله. وما من عبادة لله إلا وهي ضرب من ضروب الإحسان وباب من أبواب الإحسان.
وعلى هذا الأساس نفهم قوله تعالى، في تعبير آخر عن مقاصد الخلق والابتلاء، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذارايات: 56].
فالله تعالى خلق الناس للإحسان والتنافس في الإحسان، وهو خلقهم لعبادته، فمعنى هذا أن الإحسان عبادة وأن العبادة إحسان. فهي قضية واحدة ذات وجهين.
فكل عمل صالح،وكل عمل نافع،لصاحبه أو لغيره، هو فرع من الإحسان الذي خلق له الإنسان، وابتلى لأجله الإنسان.
ومن هنا نجد القرآن الكريم يأمر بالإحسان في جميع الاتجاهات:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة: 83]
{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96].
{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 153].
{وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
{إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30].
وكل هذه الوجوه من الإحسان ـ وغيرها ـ هي وجوه من العبادة والتعبد، غير أن أرقى وأجمع ما تحققه العبادات المحددة والمنتظمة، هو أنها تجعل السلوك الإحساني خُلقًا راسخاً ومنهجاً عاماًّ في الحياة، وهذه هي درجة التقوى، التي وضعت العبادة لأجل تحقيقها.
قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].
وقال: {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171].
وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
وقال: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].
وقال: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35].
وتلخيص كل ما سبق، في قول العلاّمة ابن عاشور: " فإن التقوى هي الغاية من العبادة."( ).
قلت: والغاية من التقوى، هي أن يكون الإنسان أحسن، وأن يتصرف بما هو أحسن له ولغيره.


2 ـ التعليم والتزكية

في بدء الخليقة أسكن الله تعالى آدم وزوجه الجنة، وسخرها لهما بطولها وعرضها وبكل ما فيها، مع استثناء واحد لا يكاد يمثل شيئا فيها، وهو الشجرة الممنوعة... وكان ما كان من أمر المخالفة والزلل، {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121]
خرج آدم من الجنة وأُسْكِن الأرض بعد إعادة تأهيله بالتوبة والهدى من الله، وجاءه الوعد الصادق الكريم، بأن يظل هدى الله مستمراً متجدداً له ولذريته: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 ـ 124].
فها هنا تبشير وتحذير، للدنيا وللآخرة معا: من اتبع هدى الله لن يضل ولن يشقى، بمعنى أنه يهتدي ويسعد، في دنياه وآخرته، ومن أعرض وأبى، فله معيشةٌ ضنكٌ في الدنيا، ثم يحشر يوم القيامة أعمى، لأنه تعامى فعمي، فحشر أعمى {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127]
قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: "والسعادة كلها في اتباع الشريعة في كل ما ورد وصدر، ونبذ الهوى فيما يخالفها. فقد قال تعالى {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123]، أي: فلا يضل في الدنيا عن الصواب، ولا يشقى في الآخرة بالعذاب."( ).
وقد استمر هدى الله تعالى، يتنزل ويرسل به الرسل، إلى خاتمهم الذي قال الله عن رسالته ومقصودها: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ}[التوبة: 33].
قال ابن كثير: " الهدى: هو العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح."( ).
فالعلم النافع والعمل الصالح، هما الوصف الجامع لرسالة الأنبياء ومقاصد إرسالهم، وهو المعنى المعبر عنه في آيات أخرى بالتعليم والتزكية، باعتبارهما لُبَّ الوظائف النبوية وأساس الشرائع الربانية.
قال تعالى {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]
وقد تكررت هذه المعاني ـ وحتى الألفاظ ـ في مواضع عدةٍ من القرآن الكريم، هذه نصوصها:
ـ {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 128].
ـ { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 151].
ـ {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164].
قال العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله:" ذكر الله تعالى مقاصد البعثة المحمدية الرئيسية وفوائدها الأساسية في عدة آيات من القرآن الكريم..."يقصد الآيات الأربع السابقة، ثم قال: "ومهمة تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس تشغل مكانا كبيرا في دائرة الدعوة النبوية ومقاصد البعثة المحمدية."( ).
قلت: وهذا شأن الرسل جميعا كما هو معلوم، وهو واضح من دعاء إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم....} [البقرة: 129]، كما هو واضح في قوله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} إلى قوله {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [سورة الأعلى آخر السورة]، والأمر في غنى عن الإثبات.
هذان المقصدان الأساسيان ( التعليم والتزكية )، ينصبَّان بالدرجة الأولى، على العنصر البشري وعلى الكيان البشري في ذاته وحالته الذاتية، لأن هذا هو المناط الأول والمنطلق الأول لكل صلاح وإصلاح، أو لكل فساد وإفساد، ولذلك كان أساسيا ومركزيا في الهداية الربانية والدعوات النبوية، ولكن دعوات الأنبياء ومقاصدهم وشرائعهم لا تقف عند هذا الحد ولا تقتصر على هذا الجانب، فلنَمضِ إلى غيره.

3 ـ جلب المصالح ودرء المفاسد

أطبقت كلمة العلماء قديما وحديثا على أن مقاصد الشريعة الإسلامية والشرائع المنزلة عامة، تتلخص في هذه العبارة: ( جلب المصالح ودرء المفاسد )، أو بالعبارة المفضلة عند ابن تيمية: تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، كما في قوله: " فإن الله أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. "( )ويمكن القول: إن كل ما في القرآن ـ والسنة كذلك ـ متضمن إما جلب مصلحة أو مصالح، وإما دفع مفسدة أو مفاسد، كلية أو جزئية، مباشرة أو غير مباشرة.
ولكن القرآن الكريم مليء ـ بصفة خاصة ـ بالمعاني الكلية الصريحة، الحاثة على جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه العموم والإطلاق، سواء بمادة ( صلح ) و(فسد) ومشتقاتهما، أو بألفاظ أخرى مطابقة.
قال عز الدين بن عبد السلام: "ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات، لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح والسيئات في المفاسد"( )وقال ابن تيمية: "إن الله سبحانه أمرنا بالمعروف، وهو طاعته وطاعة رسوله، وهو الصلاح، والحسنات، والخير، والبر، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وهو الفساد، والسيئات،والشر، والفجور"( )
ولعل العبارة الجامعة التي دارت حولها دعوات الأنبياء وكتبهم وشرائعهم، ورددها القرآن الكريم في عشرات من آياته هي: الإيمان وعمَلُ الصالحات، وقد ورد في القرآن ذكر {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أكثر من خمسين مرة، كما في السورة الكلية الجامعة {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: كاملة].
وقد تذكر الصالحات بالمفرد، كما في قوله تعالى خطابا لرسله ـ ومن خلالهم لكافة عباده ـ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}[المؤمنون: 51] وقوله {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
وقال العلامة أبو بكر الآجُرِّي: "إنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله عز وجل، علمتم أن الله عز وجل أوجب على المؤمنين ـ بعد إيمانهم به وبرسوله ـ العمل، وأنه عز وجل لم يُثنِ على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العملَ الصالح... واعلموا ـ رحمنا الله تعالى وإياكم ـ أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعا من كتاب الله عز وجل.."( )
و(الإصلاح)، بمعنى إقامةِ المصالح واستجلابِها وحفظها، هو كذلك تعبير جامع عما بعث لأجله الرسل، كما جاء على لسان شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88]، وكما قال موسى لأخيه هارون عليهما السلام {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142].
ومن أكثر الكلمات القرآنية استعمالًا في التعبير عن المصالح والصالحات، لفظ الخير والخيرات، قال تعالى مبينا مجمل وحيه إلى رسله {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73].ثم وصفهم بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] و [آل عمران: 114]، وقوله {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]
وكما في( الصالحات )، فقد ورد لفظ ( الخيرات ) بالمفرد المفيد للجنس، كما في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]
وفي الوجه الآخر للقضية،وردت أيضا آيات عديدة بصيغ متنوعة، في النهي والذم والتحذير، من الفساد والإفساد والمفسدين.
فقد تقدمت قبل قليل وصية موسى لهارون حين استخلفه على بني إسرائيل: {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، فالوصية فيها الأمر بالإصلاح، أي فعل ما هو صالح ونافع وحملُ قومه عليه، وفيها التحذير من سبيل المفسدين. وهذا أبلغ من النهي عن الفساد والمفاسد، لأنه نهي عن السبيل التي تفضي إلى الفساد، وهي سبيل المفسدين. فالنهي متحقق عن سبيل المفسدين نفسه، حتى ولو كان سالكه غير مفسد في بعض الحالات. وهذه الآية فيما أرى حجة للقول بسد الذرائع.
ومن هذا القبيل قوله تعالى {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 152].
فطاعة المسرفين المفسدين، واتباع سبيلهم، والسير في ركابهم أو تحت إمرتهم، هو من أصله عمل منهي عنه ومحذر منه. أما لوأصبح ذلك انخراطا فعليا معهم، ومشاركة لهم في فسادهم، فتلك درجة أخرى أشد وأسوأ..
ولقد كان دائما من أبرز النداءات الأساسية في دعوات الأنبياء {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56 و 85]، {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74].
ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن الفريضة الكبرى التي جاء بها الأنبياء، وحمَّلوها لأتباعهم من بعدهم، وهي فريضة ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )، ما هي إلا تعبير آخر عن جلب المصالح ودرء المفاسد.
فلا يعد المعروف معروفا إلا لما فيه من صلاح ومصالح، ولا يعد المنكر منكرا إلا لما فيه من الفساد والمفاسد.

المصالح والمفاسد: عموم واستغراق
من أهم ما يجب الانتباه إليه في موضوع المصالح والمفاسد التي تحدث عنها القرآن الكريم بمختلف الصيغ والألفاظ، هو عموم المصالح وكليتها واستغراقها لكل ما هو صلاح وخير ونفع، وعموم المفاسد وكليتها واستغراقها لكل ما هو فساد وشر وضرر( )، فهي شاملة لجميع الأجناس والأصناف والأشكال والمراتب والمقادير، سواء في المصالح أو في المفاسد.
وعلى سبيل المثال جاء في تفسير القرطبي عند قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} : " فيه مسألة واحدة، وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قلَّ أو كثر بعد صلاح قل أو كثر، فهو على العموم، على الصحيح من الأقوال.
وقال الضحاك: معناه لا تعوِّروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضِراراً.
وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض.
وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض.
وقال القشيري: المراد ولا تشركوا، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمرٌ بلزوم الشرائع بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عطية: وقائل هذه المقالة ( يقصد القشيري ) قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر."( )ومعنى كلام ابن عطية أن تفسير القشيري للفساد بالشرك وسفك الدماء ونحو ذلك مما تقدم، إنما هو على سبيل المثال، وليس هو المعنى الخاص للفساد في الأرض، ولذلك قال: " والقصد بالنهي العموم، وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم، إلا أن يقال على وجهة المثال."( )
وهذا يقال في جميع النصوص العامة الواردة في الصلاح والفساد والخير والشر والمعروف والمنكر....، كما في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77]، أو قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـ 8]
والاستقراء الذي خلص منه العلماء إلى تحديد الكليات الخمس، أو الضروريات الخمس، إنما هو في الحقيقة استقراء واستخلاص لأجناس المصالح وأصولها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وبتحديد هذه الأجناس الخمسة من المصالح، تتحدد تلقائيا وتبَعاً، أصناف المصالح وأنواعها وجزئياتها، كما تتحدد كذلك ـ تلقائيا وتبعا ـ أجناس المفاسد وأنواعها وجزئياتها. فالأمر كما قال الإمام الغزالي: " فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعه مصلحة."( )
ورغم أن هذه الأجناس من المصالح، شاملة للمصالح بشتى أنواعها ومجالاتها، الدينية والدنيوية، فقد اعتبرها بعض العلماء قاصرة، بسبب تركيز الأصوليين والفقهاء، في تحديدها وفي ذكر أمثلتها وتطبيقاتها، على الجوانب الدنيوية المادية الظاهرية، مما يجعل عددًا من المصالح المعنوية والروحية والخلقية التي جاء بها الشرع غائبةً أو باهتة ضمن تفسير هذه الكليات الخمس.
قال الإمام ابن تيمية: "وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها،وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] وقال تعالى: {فأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [النجم: 29].
فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن."( )

ثم قال رحمه الله: " وقوم من الخائضين في ( أصول الفقه ) وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحِكَم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله،وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه، والرجا لرحمته، ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة.
وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه، حفظاً للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح."( )

ومن الأمثلة التوضيحية الجيدة في هذا الباب، الحِكمة في تحريم الخمر والميسر. فمن المعتاد أن يعلَّل تحريم الخمر بالإسكار وإفساد العقل، ويعلَّل تحريم الميسر بما فيه من أكل المال بالباطل. وكلا التعليلين صحيح، ولكنه قاصر بسبب الغفلة عن التعليل القرآني الذي نص على مفاسد أخرى معنوية لكل من الخمر والميسر، وهي مفاسد مشتركة بينهما، ولذلك جاء تحريمهما في سياق واحد وبتعليل واحد: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ} [المائدة: 91]، فعلة التحريم المنصوص عليها هي ما ينجم عن الخمر والميسر من شحناء وخصومة وعداوة وكذلك ما فيهما من الاستغراق القلبي والعقلي والنفسي، الذي يصرف عن ذكر الله، ويحول دون أداء الصلاة في وقتها، و يفسد الانتباه والخشوع في أدائها، قال ابن تيمية: " فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد،وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذَيْنِ كل واحد منهما إما واجب وإما مستحب، من أعظم الفساد."( )
والقانون العام الإجمالي في ترتيب أجناس المصالح هو: "أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن. "( )
وهذا المعنى مضمن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:57- 58].
فرغم أن ما يجمعه الناس من أموال ومتاع، إنما هو نعمة وفضل من الله {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، فإنه حينما يقارَن مع فضل الله في هداية القلوب وشفاء الصدور وطمأنينة النفوس، يكون هذا هو فضل الله الحقيقي الذي يستحق أن نفرح به ونعض عليه بالنواجذ. وعنه يقول ابن عاشور: " وهذا الفضل أخروي ودنيوي، أما الأخروي فظاهر، وأما الدنيوي، فلأن كمال النفس وصحة الاعتقاد وتطلع النفس إلى الكمالات وإقبالها على الأعمال الصالحة، تكسب الراحة في الدنيا وعيشة هنيئة، قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 27 ـ 28]، فجعل رضاها حالا لها وقت رجوعها إلى ربها."( )

4 ـ القيام بالقسط

إقامة القسط، أو القيام بالقسط، هو مقصد كبير وعريض من مقاصد بعث الرسل وإنزال الكتب ووضع الشرائع، ولقد كان من الممكن الاكتفاء باعتباره مندرجًا في المقصد الكلي الشامل: (جلب المصالح ودرء المفاسد)، ولكني أفردته وخصصته بالذكر والبيان لسببين:
الأول هو أن القرآن الكريم جعله مقصدًا عامًا لبعث الرسل كافة، واعتنى به بشكل متميز لافت للانتباه، فصار من القسط تخصيص فقرة خاصة بالقسط.
والسبب الثاني، وهو تابع للأول، هو أهمية القسط ومدى سعته وتشعبه.
قال الله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]
لقد قررت الآية أن:
ـ إرسال الرسل جميعًا،
ـ والبينات التي أوتوها،
ـ والكتب التي بعثوا بها،
ـ والميزان التي فيها ومعها.
كل هذا لأجل مقصد واحد، هو أن يقوم الناس بالقسط. ومعنى هذا أن كل ما جاء به الرسل، مهما تعددت أسماؤه ومسمياته، إنما هو (القسط)، لأن هذه الآية جمعت كل مقاصدهم وأسباب بعثتهم في شيء واحد هو القيام بالقسط.
وفي شأن المنازعات والصراعات التي قد تنشأ بين المؤمنين، جعل الله العدل والقسط أساسا ومرجعا وسبيلا لفضها والخروج منها. قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات/9]
قال سيد قطب رحمه الله عند تفسير هذه الآية: "وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك، تحت النزوات والاندفاعات . تأتي تعقيباً على تبين خبر الفاسق، وعدم العجلة والاندفاع وراء الحمية والحماسة، قبل التثبت والاستيقان.
وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت الروايات ، أم كان تشريعاً لتلافي مثل هذه الحالة، فهو يمثل قاعدة عامة محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق. ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح ..."


فما هو هذا القسط الذي استحوذ على كل شيء؟ ما هي معانيه وما هي مشمولاته؟

من المفيد أن نسجل أن لفظ (القسط) في القرآن - كما في هذه الآية - مرادف للفظ (العدل)، فهما شيء واحد، أو اسمان لمسمى واحد، إلا أن أحد الإسمين عربي وهو العدل، والآخر معرب وهو القسط.
جاء في آخر باب من أبواب صحيح البخاري "باب قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزَن، وقال مجاهد: القسطاس: العدل بالرومية، ويقال: القسط مصدر المقسط، وهو العادل.
وقال الزجاج: القسط العدل"( ).
ويتأكد هذا التطابق ويتضح في الاستعمال القرآني الذي يتوارد فيه اللفظان على الشيء الواحد والمعنى الواحد، كما تقدم قبل قليل في قوله تعالى {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا}.
وفي آية الدَّين( )من سورة البقرة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}ثم قال: {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ..} ثم قال: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ...} فجمع بين وصف هذه الأفعال المطلوبة بالعدل ووصفها بالقسط، فهما صفة واحدة.
وفي صفة الحكم بين الناس، قال تعالى لنبيه: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]. وأمر عموم من يحكمون بين الناس بقوله {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، فظهر أن القسط والعدل بمعنى واحد.
وهذا التطابق بين القسط والعدل نجده كذلك في قوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
ولعل ما يستفاد من هذه المزاوجة القرآنية بين لفظي القسط والعدل هو زيادة وضوح المعنى ويسر إدراكه، فكأنه يشرح القسط بالعدل ويشرح العدل بالقسط، فالقرآن لم يكتف بالتعبير بالقسط في موضع وسياق، وبالعدل في موضع آخر وسياق آخر، بل في الموضع الواحد والمسألة الواحدة يستعمل القسط والعدل معاً، فصار المعنى واضحا أشد ما يكون الوضوح وراسخا أقوى ما يكون الرسوخ.
بقي ـ في معنى القسط ومضمونه ـ التنبيه على أمر يقع إغفاله وتجاوزه رغم شدة وضوحه كذلك، وهو أن القسط لا ينحصر في الحكم بين الخصوم، وفي إعطاء الناس حقوقهم بالـنَّصَـفة والعدل، وإنما هو مطلوب في كل شيء وفي كل مجال، فقد مر بنا قريبا القسط في كتابة الدين، وفي إملائه والتصريح به، والقسطُ في الإصلاح بين المقتتلين، والقسط في الحكم بين الناس في كافة خلافاتهم ومنازعاتهم، والقسط في أداء الشهادات.
وأمر الله تعالى بالقسط في الكيل والوزن: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [الأنعام: 152]، وأمر بالقسط في اليتامى وحقوقهم: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء: 127].
وأمر بالقسط في عامة الأفعال والأقوال والتصرفات بدون تحديد أو تخصيص: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ} [الأنعام: 152]، {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 9]
والعبارة الجامعة لكل هذا وغيره هي آية الباب: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}
فالقسط مطلوب من كل الناس، ولجميع الناس، وفي جميع المجالات، وفي كل الحالات: يقومون به، ويقومون لأجله، ويحيون به، ويتصرفون بمقتضاه،وينعمون بظله.
والقيام بالقسط الذي هو مقصود الرسل والشرائع والموازين، هو قبل ذلك وفوقه صفة الله تعالى، فهو سبحانه قائم بالقسط، ويأمر عباده أن يقوموا بالقسط: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].

فمقصود الشريعة ومطلوبها: إقامة حياة القسط ومجتمع العدل، أو لنقل: المقصود إقامة : "مجتمع العدل"وليس فقط "وزارة العدل".



  • 0

#12 _سالم_

تاريخ المشاركة 28 December 2012 - 03:58 PM

الصنف الثالث: الكليات الخلقية

لا أظن أننا نحتاج إلى أي استثناء أو استدراك إذا قلنا : كل ما هو خلق، أو صفة خلقية، فهو كلي، فالأخلاق بطبيعتها قضايا كلية. فكل خلق ـ بمفرده أو مع غيره ـ يمثل نمطا في السلوك ومنهجا في الحياة، أي أن كل خلق هو قاعدة سلوكية كلية.
والأخلاق عبارة عن الخصال النفسية المعبر عنها بواسطة السلوك العملي المستمر. فلابد في الأخلاق من تحقق هذين الجانبين : الجانب النفسي، والجانب العملي.
فالجانب النفسي يتضمن الرسوخ الباطني للخلق والاقتناع بقيمته وفائدته. والجانب العملي، هو الترجمة والثمرة الفعلية للإيمان بالخلق ومحبته والرغبة فيه.
فبدون تحقق عملي مستمر، تكون الأخلاق مجرد تمنيات وادعاءات، وبدون اقتناع وتعلق نفسي، تكون الأخلاق مجرد تصنع وتظاهر ونفاق.
ومُسمَّى ( الأخلاق ) يشمل حَسَنها وقبيحها معاً، فحَسنها أخلاق، وسيِّؤُها أخلاق. إلا أن لفظ ( الأخلاق ) ـ أو الخُلقُ ـ إذا أُطلق بلا وصف ولا تقييد، فغالبا ما يراد به الأخلاق الحميدة والمطلوبة. فهذا هو المراد عادة إذا جرى الحديث عن الأخلاق، أو عن دور الأخلاق، أو أهمية الأخلاق، أو إذا قيل عن شخص بأنه ذو أخلاق، أو صاحب خلق...
ونظرًا للتلازم القائم بين كل خلق وما يخالفه، أو يضاده، فإن الحديث عن الأخلاق بمعناها الحميد الإيجابي، يكون متضمنا ـ تلقائيًا ـ للوجه الآخر المضاد أو المنافي. فكل حديث ـ مثلا ـ عن حسن الخلق، فهو ـ صراحة أو ضمنا ـ حديث عن سوء الخلق. وكل حديث عن الأمانة، فهو ضمنيا حديث عن الخيانة. وكل ما يقال عن الصدق، يكون مستحضرا لضده ولما يمكن أن يقال في ضده، وهو الكذب. وكذلك لو عكسنا الأمر، فجرى الكلام ابتداء عن سوء الخلق، أو عن الخيانة، أو عن الكذب.. وهكذا.
ومعلوم أن لدى الإنسان القابليةَ للتخلق بالأخلاق الإيجابية الحميدة وبأضدادها معا. غير أن الأخلاق الحميدة هي بدون شك أسبق وأكثر رسوخا وأصالة ورجحاناً في النفوس البشرية.
فالإنسان ـ مثلا ـ قد يَصْدُق وقد يكذب، ولكن الصدق هو السلوك الأصلي والتلقائي عنده، والكذب طارئ عليه، وله أسباب ودوافع طارئة. والإنسان يصدق ويحب الصدق، من نفسه ومن غيره، ولكنه يكذب ويكره الكذب، من نفسه ومن غيره. وإذا كذب فهو يود لو لم يكذب، ويرى أنه كان مضطرا للكذب، ولولا ذلك ما كذب.
ومن هنا يصح القول: إن الأخلاق فطرية، وإن الفطرة هي المنبع الأول للأخلاق وللنزوع الأخلاقي وللسلوك الأخلاقي.
ولكن هذه الأخلاق الفطرية، أو هذه الفطرة الأخلاقية، لدى الإنسان، معرضة لعدد من الآفات:
ـ فهناك القابلية ـ الفطرية أيضا ـ للإقدام على السلوك المجافي للأخلاق.
ـ وقد يتكرر ذلك ويستمر حتى يصبح خُلُقا، أي سلوكا متكررا وصفة معتادة متقبَّلة، على الأقل من الناحية العملية.
ـ وقد يتطور الأمر ـ كما تتطور الآفات والأمراض ـ حتى يصبح ثقافة ومذهبا وفلسفة.
ـ ثم هناك ـ بصفة عامة ـ ميل إلى الإنسان إلى التقاعس والتقصير والإخلاد إلى الأسفل... فطلبُ المكارم والمعالي، وكذلك الدوام والثبات عليها، هو أمر مستثقل في غالب الأحيان، إن لم يكن في كلها.
فمن هنا جاءت الأديان، لتعزيز الأخلاق، وتنميتها وترقيتها، ورعايتها وحمايتها، مستعملة كافة المداخل والوسائل، الإيمانية، والتعليمية، والتربوية، والتشريعية، الدنيوية والأخروية.
فالدين في جوهره ومجمل وظائفه وشرائعه، إنما هو أخلاق وتخليق، ولذلك قالوا: إن الدين كلَّه خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.
وفي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ".( )
وهذا المعنى الخلقي للدين ورسالته، هو ما صرح به الحديث النبوي المعروف: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".( )
ولما أنزل الله تعالى قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، أخذ الصحابة يسألون عن هذا الخلق النبوي العظيم وفيم يتمثل؟ وكان من الإجابات الجامعة البارعة، التي تلَقَّوها، جواب السيدة عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: "كان خُلُقه القرآن"، أي أن خلقه العظيم، إنما هو التخلق بأخلاق القرآن، والتأدب بآداب القرآن، والتقيد بأحكام القرآن.
وبهذا يظهر أن الأخلاق، أو الكليات الخلقية في القرآن، هي أكثر وأوسع من أن تقع تحت الحصر والبيان، في بحث واحد، أو في كتاب واحد، فمرادي هنا هو التنبيه والتنويه، والتمثيل بالأهم فالأهم. وفيما يلي بعض من أمهات الأخلاق.

1 ـ التقوى

من أنفسِ المؤلفات في الأخلاق القرآنية، البحث الرائد للدكتور محمد عبد الله دراز ( دستور الأخلاق في القرآن ). ومن الخلاصات الجوهرية التي انتهى إليها مؤلف هذا الكتاب، كون ( التقوى ) هي الفضيلة المركزية المحورية في نظام الشريعة الإسلامية، قال رحمه الله: " قد جرى العرف على تسمية القوانين الأخلاقية، بحسب العنصر الغالب في مضمونها، فرديا أو اجتماعيا، صوفيا أو إنسانيا: شريعةَ عدل، أو شريعةَ رحمة، وهكذا... وليس شيء من هذه الصفات ذات الجانب الواحد بمناسب هنا، فيما يبدو لنا.
إن هذه الشريعة توصي بالعدل والرحمة معا ً، وتتوافق فيها العناصر الفردية والاجتماعية، والإنسانية والإلهية، على نحو متين. بَيدَ أننا لو بحثنا في مجال هذا النظام عن فكرة مركزية، عن الفضيلة الأم التي تتكثف فيها كل الوصايا، فسوف نجدها في مفهوم ( التقوى )، وإذن، فما التقوى إن لم تكن الاحترام البالغ العمق للشرع."( )

مركزية التقوى وأمومتها لسائر الفضائل الخلقية والمناقب السلوكية، هو ما نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلا جاءه فقال أوصني، فقال: سألتَ عما سألتُ عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من قبلك، فقال: أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء.( )
وكان عليه السلام إذا أوصى الرجال، أو أوصى النساء، أو أوصى عموم المسلمين، أو شخصا بعينه، أو أوصى المجاهدين، أو المسافرين، فإنه يوصيهم أولاً بالوصية الكلية الجامعة، بتقوى الله عز وجل، ثم يضيف ويخص بالذكر من الوصايا ما يراه مناسبا للمقام وللحالة.
كما أن الأمر والتوصية بتقوى الله، هو نداء ثابت عند جميع الرسل والأنبياء، فكلهم نادوا في أقوامهم: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50].
فالتقوى في الديانات كلها، وفي الواقع المشاهد، هي مَجمعٌ ومنبعٌ لكل الفضائل والأعمال الصالحات، وهي حاجز ذاتي في وجه كل الرذائل والمنكرات. وفي الحديث عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان قَيدُ الفتك، لا يفتك مؤمن. "( ) ومعناه أن المؤمن - بفضل إيمانه وتقواه ومراقبته لمولاه - لا يمكنه أن يغدر ويخون ويفتك بغيره، وأنه لا يحتاج في ذلك إلى عقوبة ترهبه وتزجره، ولا إلى رقيب يلومه أو يمنعه، بل يمنعه من ذلك إيمانه وتقواه. فالإيمان يقيد ويمسك نزعة الفتك والغدر والعدوان، متى ما وجدت.
فالتقوى إذا سادت، وأصبحت خُلقا راسخا في النفوس، فإنها تقوم بما يقوم به المربي، والمعلم،والواعظ المرشد، والحارس المراقب،والشرطي والقاضي والوالي...
ولكنها تقوم بما لا يقوم به أحد من هؤلاء، وهو الرقابة الداخلية لما لا يعلمه إلا الله {بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14]، وذلك ما يستفاد من قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 48 ـ 49].
إن التقوى هي الرقابة الداخلية والانضباط الذاتي والارتقاء الإرادي، ظاهرا وباطنا. جاء رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه يسأله عن معنى التقوى فقال:"هل أخذتَ طريقا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيتُ الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصُرت عنه. قال: ذاك التقوى"( ).
هذه التقوى، حينما تنعدم أو تنهزم، تسود المغالبة والمخادعة، والاستكبار والاستئثار، والاستبداد والإفساد. وحينها تشتد الحاجة إلى كثرة القوانين والتدابير الزجرية، وكثرة الاحتياطات والمحاذير، وكثرة الولاة والقضاة، وكثرة المحاكم والمحاكمات، وكثرة الأجهزة الأمنية والوسائل الردعية،والمؤسسات الرقابية...
ومن هنا قال عمر بن عبد العزيز قولته الحكيمة الشهيرة "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور." والفجور هو ضدُّ التقوى وخصمها، قال الله عز وجل: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
فهما مساران، وعليهما نمطان من الناس: نمط المتقين الأبرار، ونمط المفسدين الفجار، وبينهما يتأرجح أكثر الناس.

2 ـ الاستقامة

هذه إحدى الصفات الخلقية الأساسية، الجامعة لمعاني الدين ومقاصده، والموجهة لما لا يحصي من أحكامه وآدابه.
فالدين عامة جاء بالاستقامة، فهو يدعو إلى الاستقامة ويسعى إلى تحقيق الاستقامة، بصفة عامة غير محددة، وبأشكال خاصة ومحددة.
ليس هناك أي إشكال في تحديد معنى الاستقامة، وفي تعريفها اللغوي والاصطلاحي. بل قد يكون الخوض والتعمق في البحث عن تعريفات الاستقامة وحدودها اللغوية والاصطلاحية عند فلان وفلان، وعند بني فلان وآل فلان، قد يكون ذلك مجرد تعقيد عقيم يضر ولا ينفع، وقد يكون مجردَ خروجٍ عن منهج الاستقامة ومقتضاها.
ألا ترى إلى الرجل الفطري، الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم( )، ألا ترى أن هذا الرجل ـ حين سمع الجواب النبوي ـ لم يتوقف، ولم يتحير، ولم يسأل عن الاستقامة: ( ما هي وما لونها؟ )، ولم يقل: كيف أستقيم؟ وبأي شيء أستقيم؟ وهل من الاستقامة أن أفعل كذا أو أترك كذا...؟؟
أظن أنه لو فعل ذلك لكان علامة على ضعف استعداده أو ضعف رغبته في الاستقامة، كما يفعل كثير ممن يتلكؤون في العمل، بكثرة السؤال والجدال.
فهو ـ رضي الله عنه ـ يعلم، والناس جميعا يعلمون، أن الاستقامة ضد الاعوجاج. فكل ما خلا من الاعوجاج فهو استقامة،وكل اعوجاج،وكل ما فيه اعوجاج، فهو خروج عن الاستقامة.
فالاستقامة تجمع الصدق، والإخلاص، والنزاهة، والعدل، والإنصاف، والوفاء، والأمانة،والاعتدال، وأداء الحقوق لأصحابها بدون التواء ولا مراء.
ومن الاستقامة اجتناب: الكذب، والخيانة، والزور، والانحراف، والإفراط، والطغيان، والتفريط، والغش، والخداع، والمكر، والتدليس، وإخلافِ الوعود والعهود، وبخسِ الناس أشياءَهم وحقوقَهم...
ومن الاستقامة: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ))( )
ومن الاستقامة أن تترك (ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) .
ومن الاستقامة أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك.
وهذه كلها بدهيات في الدين، وفي الفطرة السوية، ولا تحتاج إلى إثبات، ولا إلى شرح أو تفلسف.
الذي يُحتاج إلى معرفته بشكل مسفر جازم: هو أن "فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين"، كما قال ابن القيم وغيره
فالاستقامة هي الدين كله، والدين هو الاستقامة في الأمور كلها. الدين كله إنما هو: عقيدة مستقيمة، وفكر مستقيم، ولسان مستقيم، وعمل مستقيم، وهذا هو (الصراط المستقيم) الذي جاء به رسل الله.
وفي القرآن الكريم ـ كما في الحديث النبوي ـ نصوص عديدة تختصر الدين كله في الإيمان والاستقامة، علما بأن الإيمان نفسه هو نوع من الاستقامة. من هذه النصوص:
- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]
- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [فصلت: 30 ـ 31].
- {فاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ} [هود: 112].
ومن أهم أشكال الاستقامة ومجالاتها: استقامة الفكر والمنهج الفكري، وذلك باتباع الأدلة والحجج العلمية والعقلية، دونما التواء أو تحريف أو تلبيس، ودونما محاباة أو مغالاة. وهذا ما عناه الإمام ابن تيمية بكتابه الذي أسماه ( الاستقامة )، فقد ركز فيه على منهج الاستقامة والاعتدال، في قضايا الاعتقاد والاستدلال. وقال في مطلع الكتاب: "قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال، ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده..."( )
فالعمل العلمي والمجهود الفكري، ما لم يكن محكوما بخُلق الاستقامة وما في ضمنها من نزاهة وأمانة وصدق، يمكن أن يكون أقبح أنواع الانحراف والتحريف، وأشد أنواع الضلال والتضليل. فالاستقامة لا تتبعض ولا تتجزأ. ولذلك جاء الشرع بطلب الاستقامة على العموم والإطلاق، وعلَّمنا أن نطلبها في كل وقت وحين، على عمومها وإطلاقها. فالمسلم يظل يدعو ويكرر {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، فهو صراط ومنهج كامل شامل، غير منحصر في مجال معين أوحتى مجالات محددة.
((وهذه الاستقامة التي يسألها ربَّـه استقامة في كل شيء، ومن ذلك استقامة التفكير))( ).
واستقامة التفكير ليست مجرد مهارة دراسية، أو صناعة أكاديمية، وليست مجرد آليات منهجية، بل هي قبل كل شيء هيئة نفسية وصفة خلقية.

3 ـ أخلاق الشريعة وشريعة الأخلاق

عرضتُ بإيجاز ـ في الصفحات السابقة ـ نموذجين من الكليات الخلقية الجامعة في الشريعة الإسلامية وهما: التقوى، والاستقامة. ففيهما تنطوي أخلاق وقيم كثيرة، وعن الجميع ينبثق ما لا ينحصر من المقتضيات العملية، ومن القواعد والأحكام التشريعية، الفردية والجماعية.
بعبارة أخرى، فالتشريع الإسلامي، بفرائضه ومحرماته، ومندوباته ومكروهاته، وآدابه ومستحباته، إنما هو تقنين وتصريف عملي للأخلاق والقيم الأخلاقية.
فالمكلف في أفعاله وتصرفاته، ونياته وعباداته، وعلاقاته ومعاملاته، في ظواهره وبواطنه، وكذلك الفقيه والمفتي، والواعظ والمربي، والقاضي والوالي، كل هؤلاء، وفي كل ما يصدر عنهم لأنفسهم، أو لآحاد الناس، أو لعمومهم، يجب أن تكون الأخلاق مرجعَهم ومصدرهم وميزانهم.
فالاستقامة والاعتدال، والصدق والأمانة، والإخلاص والنزاهة، والتكافل والتآزر، والرفق والرحمة، والمحبة والأخوة، والعفة والتزكية، والعدل والإحسان، والحياء والوفاء... هذه الأخلاق وأمثالها، إنما هي مناجم للتشريع وينابيع للسلوك، أو هي نفسها تشريعات وقوانين، لكنها كلية. وليس في الإسلام تشريع، أو حكم، إلا وله أصل خلقي، ومحتوى خلقي، ومقصد خلقي.
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "والمتأمل للقرآن في هديه، يجد مبدأ الأخلاق في كل تشريع فيه، حتى العبادات.
ففي الصلاة خشوع وخضوع، وسكينة ووقار، "فاتوها وعليكم السكينة والوقار".
وفي الزكاة مروءة وكرم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالمنِّ وَالأذَى} [البقرة: 264]، وقوله {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 9].
وفي الصيام: ( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )، وقوله صلى الله عليه وسلم ( الصوم جُنة ).
وفي الحج {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
وفي الاجتماعيات: خوطب صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الأخلاق، حتى ولو لم يكن داخلا تحت الخطاب، لأنه ليس خارجا عن نطاق الطلب {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]، ثم يأتي بعدها {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، مع أن والديه لم يكن أحدهما موجودا عند نزولها، إلى غير ذلك من التعاليم العامة والخاصة التي اشتمل عليها القرآن.
وقد عني صلى الله عليه وسلم بالأخلاق، حتى كان يوصي بها المبعوثين في كل مكان، كما أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: ( اتق الله حيثما كنت، وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمحُها، وخالق الناسَ بخُلق حسن ).
وقال صلى الله عليه وسلام: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ( إذا لم تستحي فاصنع ما شئت )، أي إن الحياء، وهو من أخص الأخلاق، سياج من الرذائل، وهذا مما يؤكد أن الخلق الحسن يحمل على الفضائل ويمنع من الرذائل كما قيل في ذلك:

إِنَّ الكَرِيمَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَذَى ____________ جَاءَتْهُ أَخْلاَقُ الكِرَامِ فَأَقْلَعَا

وَتَرَى اللَّئِيمَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَذَى_____________ يَطْغَى فَلاَ يُبْقِي لِصُلْحٍ مَوْضِعًا


وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].
وإن من أهم قضايا الأخلاق بيانه صلى الله عليه وسلم بقوله ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ).
مع أن بعثته بالتوحيد، والعبادات، والمعاملات، وغير ذلك، مما يجعل الأخلاق هي البعثة))( ).

  • 0

#13 _سالم_

تاريخ المشاركة 29 December 2012 - 04:54 PM

الصنف الرابع: الكليات التشريعية

أُذَكِّر في البداية أنني أعني بالتشريع، والتشريعي، كل ما يقتضي فعلا أو تركا، أو تحلية أو تخلية، بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبهذا المعنى، فجميع الكليات التي سبق ذكرها، هي كليات تشريعية، ولكن بعضها أَلصقُ من بعض بالتشريع وتجلياته العملية.
فالكليات العقدية مثلا لا يظهر مضمونها ومقتضاها التشريعي العملي إلا بنوع من التسلسل والتنزل المنطقي.
فمثلا: الإيمان باليوم الآخر يعتبر ـ في البداية ـ عقيدة صرفة ليس فيها عمل ولا تكليف عملي. فالمهم هو أن نؤمن باليوم الآخر وأنه آتٍ لا ريب فيه، ولكن الإيمان باليوم الآخر إذا وَقف ـ أو وُقف به ـ عند هذا الحد، يكون أشبهَ باللغو والفضول الذهني.
اليوم الآخر معناه رجوع إلى الله، ووقوف بين يديه. والوقوف بين يديه يعني السؤال والحساب، وهذا يستتبع الثواب والعقاب، وهو ما يقتضي الاستعداد لليوم الآخر، ويقتضي فعل كذا وكذا، واجتناب كذا وكذا... فهذا هو اليوم الآخر بمقتضاه ومحتواه التشريعي، وهذا ما نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيها سريعا بليغا، حين جاء أحدهم يسأله: متى الساعة قائمة؟ قال: "ويلك وما أعددت لها؟..."( ).
ثم نجد الكليات المقاصدية والخلقية أكثر التصاقا بالتشريع، بل هي ـ أو بعضها على الأقل ـ عبارة عن تشريعات كلية أو أحكام تشريعية عامة.
فمثلا: الأصل التشريعي المسمى بالمصلحة المرسلة، أو الاستصلاح، ما هو إلا صياغة أصولية فقهية للمقصد الكلي للرسل والشرائع، وهو مقصد جلب المصالح ودرء المفاسد. فمن هنا تستمد ( المصلحة المرسلة ) مشروعيتها وحجيتها، ومن هنا يصبح: كل ما فيه مصلحة حقيقية راجحة، فهو مشروع، يجب فعله، أو يندب فعله، أوـ على الأقل ـ يتعين الإذن به، وكل ما فيه مفسدة حقيقية راجحة، فهو محظور شرعا، ويجب تركه ويحرم أو يكره فعله، ولا ينبغي إطلاق القول بإباحته ومشروعيته.
وعلى هذا الأساس، فكل ما تقدم من كليات عقدية، أو مقاصدية أو خلقية، فهو يتضمن تشريعا وينتج تشريعا.
ولكني أعني الآن بالكليات التشريعية، المبادئ والقواعد الطلية المتضمنة والمنتجة للأحكام العملية، فهي بالدرجة الأولى وضعت قواعد لضبط السلوك والتعامل البشري وما يحتاجه من تحليل وتحريم وإيجاب وإباحة وقيود وشروط...
يمكن القول بتعبير اصطلاحي: هي قواعد أصولية فقهية كبرى، أي قواعد مرجعية مباشرة لاستمداد الأحكام الشرعية العملية.
وقد قمت بفرز الآيات المتضمنة لهذا الصنف من الكليات، وبعد النظر وتقليب النظر فيها وفي مقتضياتها الكلية وعلاقات بعضها ببعض، أسفر هذا كله عن ثمانية أسس تشريعية كبرى، هي الأكثر كلية وسعة، ضمن مبادئ التشريع الإسلامي وقواعده. وهذا عرض مختصر لها ولأدلتها.

القاعدة الكلية الأولى: الأصل الإباحة والتسخير

ومعناه أن كل ما خلقه الله للإنسان في نفسه وجسمه، وكل ما خلقه من حوله، وكل ما على الأرض، وفي سائر الكون من مخلوقات، فالأصل فيها أنها مباحة ومسخرة لمنفعة الإنسان وحاجته، فلا يحرم عليه شيء منها إلا بدليل. فما لم يأته دليل بالمنع والتحريم، أو بالتحديد والتقييد، فله أن يتصرف فيها وينتفع بها كيف يشاء.
تقوم هذه القاعدة على البداهة العقلية والنظرية، مثلما تقوم على نصوص قرآنية متضافرة وصريحة.
فأما البداهة الفطرية والعقلية، فمفادها أن الله تعالى خلق الإنسان وخلق فيه عددا من الاحتياجات والنوازع والرغبات، فهو مجبول ومدفوع تلقائيا إلى طلبها وتلبيتها. وهو حين يفعل هذا إنما يستجيب لأوامر الله التكوينية، وتعليماته الخَلقية، فالرغبة في الطعام والشراب أمر إلهي تكويني، واتقاء الحر والقَرِّ أمرٌ إلهي تكويني، وحب الأشياء الجميلة واللذيذة والسعي إلى امتلاكها واستعمالها، أمر إلهي تكويني، وطلب النوم والراحة أمر إلهي تكويني. وحب الاستمتاع بين الرجل والمرأة وكذلك حب الإنجاب وحب الحركة والتنقل والاستكشاف، كلها أوامر إلهية تكوينية.
فالإنسان خلق ناطقا لينطق،وجُعل متكلما ليتكلم، {خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 3 ـ 4] و {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]. فهذا وأمثاله لا يحتاج إلى إذن تشريعي، ولا يحتاج إلى دليل إباحة، ولا يحتاج إلى رفع الحظر...، بل كيف يحتاج إلى رفع حظرقبل أن يثبت؟!
بل هذه الأمور ـ أو الأوامر ـ الخَلْقية، تتجاوز في دلالتها مجرد الإباحة والإذن، إلى نوع من الطلب والاقتضاء، في كثير من الأحيان. فأَن يخلقني الله تعالى مدفوعا، أو ميالا، أو محتاجا إلى بعض التصرفات، فمعناه أنني مدعوٌّ إلى فعلها واتِّباعها. فهذه الأمور ليست عرية عن الدليل والاقتضاء الشرعي، بل ما خلقه الله فينا من دوافع ونوازع ومطالب واحتياجات وميول ورغبات، هي في الأصل مقتضيات إلهية شرعية، لأن{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان: 10]، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54]
فأوامر الله التي تأتينا عبر قلوبنا وعقولنا، وعبر نفوسنا وغرائزنا، وعبر أسماعنا وأبصارنا وأذواقنا، وعبر عواطفنا ومشاعرنا، وعبر بطوننا وفروجنا... لها دلالاتها ولوازمها، ولها قواعد فهمها وتفسيرها، مثل تلك التي تأتينا عبر الرسل والأنبياء، والكتب والشرائع المنزلة.
وأقل دلالات الأوامر التكوينية: أن كل ما هو محتاج إليه ومرغوب فيه خِلقةً، فالأصل أنه مباح مأذون فيه، وأن كل ما هو مكروه ومرغوب عنه خِلقًة، فالأصل إباحة دفعه والتخلصِ منه.
وقد وقف ابن القيم رحمه الله عند حكمة الله تعالى في جعل الإنسان آخر مخلوقاته، أي جاء خلقه بعد خلق السماوات والأرض وما فيهن، وبعد خلق الملائكة والجن، ومخلوقات كثيرة أخرى، فذكر من ذلك: أن الإنسان هو "الغايةُ التي خلق لأجلها ما سواه من السماوات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر... وأنه خلاصة الوجود وثمرته، فناسب أن يكون خلقه بعد الموجودات؛( ) أي أنه تأخر خلقه إلى أن أُعدَّ له كل مايحتاجه.
وأما النصوص الدالة على هذا،فكثيرة جدا، أكتفي بسرد ما كان منها أكثر عموما وتصريحا، حتى لا نحتاج إلى تفسير أو تعليق.
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].
{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13].
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29].
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32]
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} [الملك: 15].

القاعدة الكلية الثانية: لا دين إلا ما شرَعه الله ولا تحريم إلا ما حرمه الله

هذه القاعدة مؤداها أن الأديان والأحكام الدينية، لا يضعها للعباد، ولا يفرضها على العباد، إلا رب العباد. فكل ما هو دين، وكل ما هو باسم الدين، وكل ما هو منسوب للدين، مما يفرض على الناس شيئا، أو يمنع عنهم شيئا، فإنما مرده إلى الله، فلا يصدر إلا عنه، أو من تحت إذنه.
ولقد اعتنى القرآن الكريم كثيرا بتقرير هذا الأصل وترسيخه، بسبب ما عرفته الأمم القديمة، من تسلط وتحكم وتنطع باسم الدين، وباسم الله تعالى. فما أكثر ما فرض على الناس من تكاليف وتعبدات، وآصار وأغلال، باسم الدين. وما أكثر ما حرم عليهم وحرموا منه باسم الدين، والدين من ذلك كله براء، وفي هذا إفساد كبير للدين والدنيا معا. وقد وقع هذا واستمر زمنًا طويلًا، عند اليهود، وعند النصارى، وعند العرب المشركين، وعند أمم وأقوام آخرين. ولذلك نجد في القرآن الكريم حملة شديدة ضد هذه الأشكال من الإفساد الديني والدنيوي، مع تثبيت قوي لمعنى هذه القاعدة: لا دين إلا ما شرَعه الله،ولا تحريم إلا ما حرمه الله.
وهذه بعض الآيات المقرِّرة لهذه الأصل:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59].
{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 150 ـ 151].
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88].
وبناء على هذه النصوص ـ وأمثالها في القرآن والسنة ـ فلا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره، ولا أن يفرض على نفسه أو على غيره، حكما منسوبا إلى الله أو إلى شرعه، إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معْتدٍ ومبتدعٌ ومتنطع، وفي جميع الحالات لا يؤبه له، ولا قيمة لدعواه حتى يثبتها بدليلها.

القاعدة الكلية الثالثة: تحليل الطيبات وتحريم الخبائث

ظهر في الفقرة السابقة، ومن خلال الآيات المذكورة فيها، التحذيرُ الشديد من وضع أحكام باسم الدين، تفرض على الناس فروضا أو محرمات، دون أن تكون من عند الله تعالى، ودون أن تكون بإذنه، أو استنباطا واضحا من كلامه ووحيه.
وفي هذا الأصل الثالث، يخبر الله تعالى أنه قد أحل لعباده كل ما هو طيب في هذا الكون وفي هذه الحياة، وأنه حرم عليهم من ذلك كل ما هو خبيث.
وإذا كانت الإباحة ـ كما تقرر في الأصل الكلي الأول ـ ثابتة ـ بصفة عامة ـ أصالة وفطرة وعقلا، فإنها ثابتة هنا نصا وتصريحا.
فالطيبات مباحة ومتاحة للناس أصالة وديانة، أي أنها مباحة ومتاحة بالأصالة الخِلقية الفطرية، وهي أيضا مباحة وحلال بنصوص الدين الصريحة العامة. وتقييد الإباحة والتحليل بصفة ( الطيب ) يشير بمفهومه إلى أن ما ليس بطيب فليس حلالا. ولذلك اقتصر القرآن الكريم في عدد من آياته على ذكر تحليل الطيبات، دون ذكر تحريم الخبائث الذي لم يرد إلا في آية واحدة.
قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].
وقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5].
وقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51].
وأما الآية التي نصت على الوجهين معا، فهي قوله عز وجل ـ يصف رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ـ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157].
فهذه الآيات ـ بمفردها وبمجموعها ـ تعطينا حكما كليا مفاده، أن كل ما هو طيب فهو في الأصل حلال، وكل ما هو خبيث فهو في الأصل حرام. " فصار هذا أصلا كبيرا وقانونا مرجوعا إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة" ؛ كما قال الفخر الرازي في تفسيره للآية .
وأما معنى ( الطيبات ) ومعنى ( الخبائث )، فللعلماء والمفسرين في تحديده وجهتان مختلفتان:
الوجهة الأولى تربط معناهما بدلالة الحكم الشرعي، فما أباحه الله فهو طيب، وما حرمه فهو خبيث. ومعنى هذا أن الطيبات هي ما نص الشرع على إباحته، وأن الخبائث هي ما نص الشرع على تحريمه، قال الإمام الطبري: "الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح"( ).وقال عن الخبائث: ((وذلك لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله))( ).
الوجهة الثانية لفريق آخر من العلماء لم يرتض هذا التفسير، لأنه لا يفيد شيئا جديدا في حكم الآيات الناصة على تحليل الطيبات وتحريم الخبائث، فالأشياء المنصوص على إباحتها وكذلك المنصوص على تحريمها، قد عرفت بأعيانها وأسمائها، ولذلك ذهب هؤلاء إلى أن الطيبات والخبائث هي على عمومها ومعناها اللغوي، فتشمل تحليل كل طيب بصفته طيبا، وتحريم كل خبيث بصفته خبيثا، سواء كان منصوصا عليه أو لم يكن. قال الفخر الرازي: "واعلم أن الطيِّب في اللغة هو المستلَذ. والحلال المأذون فيه يسمى طيبا، تشبيها له بما هو مستلذ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة. فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هنا المحلَّلات، ومعلوم أن هذا ركيك. فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهَى. فصار التقدير: أُحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى"( ).
وقال ابن عاشور: ((والمراد بالطيبات في قوله {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} معناها اللغوي، ليصح إسناد فعل ( أحل ) إليها...))( ).
فظهر أن الطيبات المباحة هي أوسع مما جاءت النصوص بتعيينه وتسميته والتصريح بإباحته، وأن الخبائث المحرمة هي أوسع مما جاء التنصيص على تحريمه باسمه، فما أحله الله تعالى بعينه فهو من الطيبات لا شك، ولكنه ليس هو كل الطيبات المباحة، وما حرمه الله بعينه، فهو من الخبائث لا شك، ولكنه ليس هو كل الخبائث المحرمة.
فهناك طيبات لا حصر لها غير منصوص على إباحتها بعينها وباسمها، فهذه تباح وتحل بمقتضى النص العام على إباحة الطيبات، وهناك خبائث لا حصر لها لم ينص على تحريمها بعينها وباسمها، فهذه محرمة بالنص العام على تحريم الخبائث.
فالحاصل أن المباحات والمحرمات في الشرع صنفان:
صنف وقع تحليله وتحريمه بأعيانه وأسمائه، كما في قوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1]، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].
وصنف وقع تحليله أو تحريمه بصفاته، كما في موضوعنا {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.
فالتحليل والتحريم قد يكونان بالنص الخاص، وقد يكونان بالوصف العام.
وفي قوله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} [المائدة: 5] ذُكر الصنفان معا، ففيه تحليل عام غير معين، وهو تحليل الطيبات. وفيه تحليل شيء بعينه وهو طعام أهل الكتاب. ففي الآية تحليل كلي بالوصف، وتحليل جزئي بالاسم.
والذي يعنينا الآن ـ ونحن في موضوع الكليات ـ هو الحكم الكلي بتحليل الطيبات وتحريم الخبائث. وهذه القاعدة تعتبر موضحة ومقيدة للقاعدة الكلية السابقة ( الأصل الإباحة والتسخير )؛ فالإباحة والتسخير قائمان ساريان فيما هو طَيب، وفيما هو باقٍ على طِيبه، وأماالأشياء التي تحولت أو حولت إلى خبائث، فهي داخلة في دائرة التحريم.
ومعلوم أن كل ما خلقه الله تعالى وسخره لعباده طيب نافع، عدا استثناءات طارئة، لا تخرج عن حد الندرة والضآلة.
وأكثر هذه الاستثناءات ليست خبيثة بأصلها وإنما تصير خبيثة، بفعل الإنسان وبسوء استعماله، كما هو الحال في الخمر، وفي السموم، وفي المكاسب المحرمة لما فيها من ظلم وغصب وفساد. وهذا يقودنا إلى مسألة أساسية في موضوعنا، وهي المعايير التي تعرف بها الطيبات والخبائث التي ليست منصوصا على تعيينها وتسميتها.
لقد تقدم في قول بعض المفسرين أن المعنى المراد بالطيبات والخبائث هو المعنى اللغوي المتعارف عليه، وهذا مهم ومفيد، ولكنه لا يغني عن تحديد معايير موضوعية لمعرفة ما هو طيب وما هو خبيث، خاصة مع تعدد الاستعمالات وتطور المفاهيم اللغوية والعرفية.
يقول العلامة ابن عاشور: ((وأصل معنى الطِّيب: معنى الطهارة والزكاة والوقعِ الحسن في النفس، عاجلا وآجلا، فالشيء المستلذ إذا كان وخِما ( أي وخيم العاقبة ) لا يسمى طيبا، لأنه يُعقب ألما وضررا))( ).
فالطيب بالإضافة إلى كونه مستلذا ومحببا إلى النفوس يجب "أن يكون غير ضارٍّ ولا مستقذر ولا منافٍ للدين، وأن يكون مقبولا عند جمهور المعتدلين من البشر....))( ).

وبالمقابل يحدد أوصاف الخبائث المحرمة، بما يضر تناولُه العقل أو البدن، وما هو نجس بالشرع، وما هو مستقذر بالطبع))( ).
ويضيف ابن تيمية صنفا آخر من الخبائث، حيث يقسم الخبائث إلى نوعين: ((ما خبث لعينه))( )، لمعنى قام به كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما خبث كسبه، كالمأخوذ ظلما، أو بعقد حرام كالربا والميسر))( ).
ومعنى هذا أن خبث الأشياء ـ وكذلك طيبها ـ قد يكون ذاتيا حسيا، وهذا يعرف بالطبع والتجربة، وقد يكون معنويا حُكميا، وهذا يعرف بالشرع ودلائله، وكل ذلك ينبني عليه التحريم أو التحليل.

القاعدة الكلية الرابعة: التكليف بحسب الوسع

هذه القاعدة الكلية معروفة عند الناس، ومحفوظة عندهم بنصها القرآني، الذي تكرر في عدة آيات: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
وهي واردة أيضا بصيغة: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسا إِلاَّ وُسْعَهَا} [الأعراف 42 ـ الأنعام 152 ـ المؤمنون 62] وبصيغة: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسا إِلاَّ مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].
فهذه الآيات ـ وآيات أخرى كثيرة ـ تفيد أن الأحكام والتكاليف والشرائع الصادرة من الله تعالى إلى عباده، قد وضعت لهم حسب طاقاتهم وقدراتهم والإمكانات المتاحة لهم، وأنها لا تشمل ولا تقتضي ما يكون خارجا عن طاقة المكلفين.
ومضمون هذه القاعدة قد عبر عنه العلماء بعدة قواعد مطابقة أو متفرعة، مثل: لا تكليف بما لا يطاق، الحرج مرفوع، الدين يسر، المشقة تجلب التيسير، الأمر إذا ضاق اتسع، لا تحريم مع الاضطرار ولا وجوب مع العجز، الضرورات تبيح المحظورات ـ الحاجة تنزل منزلة الضرورة...
وأما الآيات الأخرى، المؤيدة لمعنى هذه القاعدة، أو المتضمنة لبعض جوانبها، فأذكر منها:
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286].
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
{يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء: 28]
{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6].
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119].
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عليه} [البقرة: 113 ـ الأنعام 145 ـ النحل 115].
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}[الأحزاب: 5].
{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} [البقرة: 234].
فهذه الآيات، وإن تعددت سياقاتها وتنوعت عباراتها، تصب كلها في معنى مشترك، هو أن الله تعالى لا يريد بتكاليفه عسرا ولا ضيقا ولا مشقة، بل يريد اليسر والتخفيف والتوسعة، وأما ما قد يتطلبه الالتزام ببعض أحكام الشريعة من كلفة وجهد وصبر وتحمل، فإنما هو على العموم في متناول الناس ومعهودهم. ولا يكاد يوجد في هذه الحياة عمل ذو بال إلا وهو محتاج إلى جهد وبذل وصبر، فليس هذا ومثله هو المنفي عن الشريعة، وإنما المنفي هو ما يجعل الناس في حرج وعنت وضنك، أو في وضع لا يطاق في معهود الناس وحياتهم الطبيعية.
فهذه هي السمة العامة والأصلية للشريعة الإسلامية. فهي من أصلها وأساسها مبنية على الوسع والإمكان واليسر.
ولكن قد تعرض للناس ـ فرديا أو جماعيا ـ ظروف وطوارئ، تجعل التزامهم ببعض الأحكام عسيرا أو متعذرا، ويشق الصبر عليه والاستمرار فيه، فهنا تأتي مشروعية التخفيف والترخيص والتماس المخارج، وكل هذا يتقدر بقدره دون إفراط أو تفريط، وفق ما هو مبين في النصوص والقواعد المذكورة آنفا.

القاعدة الكلية الخامسة: الوفاء بالعهود والأمانات

القواعد الأربع السابقة، تتعلق بجهة واحدة، تصدر عنها دونما تدخل أو أثر لغيرها، فهي صادرة عن الله تعالى، بإرادته المنفردة وحكمته البالغة، تفضلا وإحسانا منه لعباده، فهو الذي خلق وسخر. وهو الذي وضع الدين وأحكامه ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه، فلا أحد يَشْرع للناس دينا، ولا أحد يفرض عليهم أو يحرم عليهم سواه.
وهو الذي تفضل بإرادته فأباح كل ما هو طيب ومفيد وممتع ولذيذ، وحرم كل ما هو ضار ومؤذ وخبيث. وهو الذي أراد ـ من تلقاء نفسه ـ فجعل دينه وشريعته في وسع الناس بلا حرج ولا عنت {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220].
أما قاعدتنا الجديدة ـ والقواعد التي تليها ـ فهي ذات جهتين، وتحكم التعامل بين جهتين أو جهات، فهي إما بين العباد وربهم، أو بين العباد مع بعضهم، أو بين العباد مع ربهم ومع بعضهم في آن واحد.
فالحال هنا شبيه بما في الحديث القدسي عن سورة الفاتحة، "قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل... يقول العبد {الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، يقول الله تبارك وتعالى: حمدني عبدي، ويقول العبد {الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}، يقول الله: أثنى عليَّ عبدي،ويقول العبد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. يقول العبد {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل))( ).
وقد يبدو أن الوفاء بالعهود والأمانات، هي مسألة خُلقية اجتماعية، والأمر كذلك دون شك. ولكنها أيضا قاعدة كبرى من قواعد التشريع والإلزام التشريعي، على جميع الأصعدة، التعبدية والعلمية والسياسية والاجتماعية...
وقد تقدم معنا ما جاء في الحديث: "ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
فالحديث أولاً يجمع بين الأمانة والعهد، باعتبار أن بابهما واحد ومنبعهما واحد. وهو ثانيا يفيد عناية نبوية فائقة بهما، وذلك بكثرة ذكرهما والتذكير بهما والتحذير من تضييعهما. وهو ثالثا يجعلهما ركنين من أركان الدين والإيمان. فلا دين ولا إيمان بدونهما، وفي الحديث أيضا:"لا يغرَّنَّكم صلاة امرئ ولا صيامه، من شاء صام ومن شاء صلى، ولكن لا دين لمن لا أمانة له"( ).
و"الإنسان كائن مؤتمن"، مؤتمن من أول أمره، وملتزم وملزم بحمل الأمانة وأدائها، جملة وتفصيلًا.
قال الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب 72].
وسواء كانت هذه الأمانة هي أمانة الاستخلاف بمزاياه ومسؤولياته، أو هي أمانة التكليف بما له وما عليه، أو كانت هي القابلية المبدئية لتحمل الأمانات، فإن الإنسان ملتزم بها ومدعو لأدائها.
قال الإمام الطبري: "عُني بالأمانة في هذا الموضع: جميعُ معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس"( ).
وهذه الأمانات هي عهودٌ عُهد بها إلى الإنسان، وعهود أُمر بها الإنسان، وهي عهود يتعاهد عليها ويتعهد بالتزامها والوفاء بها، فتصير أماناتٍ في ذمته.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]: "هذه الآية من أمهات الأحكام، تضمنت جميع الدين والشرع"( ). وفي معنى قوله جل وعلا {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد: 19 ـ 20]
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "وعهد الله مطلق يشمل كل عهد، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق.
والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها، هو عهد الإيمان. والميثاق الأكبر
الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان.... ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر، سواء مع الرسول أو مع الناس، ذوي قرابة أو أجانب، أفرادا أم جماعات. فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود، لأن رعايتها فريضة، والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس، لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق.
فهذه هي القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كلها، يقررها في كلمات..."( ).

وفي قوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177]، يتجه بعض المفسرين إلى أن العهد هو العهد الذي أخذه الله على العباد، من الإيمان والتوحيد والعبادة والطاعة...، ويتجه آخرون إلى أن المراد هنا هو ما يتعاهد عليه الناس ويلتزمونه في علاقاتهم ومعاملاتهم، بدليل أن الله أسنده إليهم {بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} فهو عهدهم، وهم الذين عاهدوا عليه. ويتجه آخرون إلى التعميم والكلية.
قال ابن عادل: "فقوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} يتناول كل هذه الأقسام، فلا تقتصر الآية على بعضها، وهذا هو الذي عبر عنه المفسرون فقالوا: هم الذين إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا وَفَّوْا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتُمنوا أدَّوْا"( ).
ومن الآيات الكلية في هذا الباب، قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [ أول سورة المائدة]، فهي شاملة كلَّ العقود، أيا كانت موضوعاتها وأيا كان أطرافها. بل كل ما يلتزم به أحد ويعد به ويقبل العمل به فهو عقد وعهد، يجب الوفاء به، إلا إذا منع من ذلك مانع.
قال القاضي عبد الحق بن عطية: "وأَصوَبُ ما يقال في تفسير هذه الآية: أنْ تُعمَّم ألفاظها بغاية ما تتناول.. ويُعَمَّم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع"( ).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شأن هذه الآية أيضا:"وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاء بعهودهم وشروطهم، إلا أن يظهر فيها ما يخالف كتاب الله فيسقط))( ).
وتقييد الوفاء بالعهود والعقود والمواثيق، بأن تكون موافقة للحق والشرع، وليس فيها ما يخالف كتاب الله، هذا التقييد هو نفسه نوع من الوفاء بالعهود والأمانات، فالحق أحق أن يتبع، والحق قديم لا يبطله شيء، والتعاقد على باطل باطل من أصله. فمن الوفاء بالعهود والأمانات، عدم الالتزام بما ينافي الحق والعدل. فكل ما قام على الخداع والتدليس، أو على القهر والإكراه، أو على الاضطرار والإلجاء، أو على الظلم والفساد، فهو باطل لا يلزم، ومِنَ الوفاء عدمُ الوفاء به وعدم الخضوع له.
وما سوى هذا من العهود والمواثيق والأمانات، سواء كانت مكتوبة، أو شفوية، أو عرفية عمِلَ الناسُ بها ... وسواء كانت بين الأفراد، أو بين الجماعات، أو بين الدول، أو بين المؤسسات والهيئات، أو بين هذه وهذه، فإن الوفاء بها فرض وشرع. فالعهد الصحيح والعقد الصحيح، ليس فقط (شريعة المتعاقدَيْن) كما يقال، ولكن (العقد الصحيح شريعة الله)، فالوفاء به دِين وتدين وعبادة وتقرب...
ومن العهود الكلية الجليلة: عهد الله تعالى إلى العلماء، أن يبينوا الشرع وأحكامه، دونما زيادة أو نقصان، ودونما خوف أو طمع أو محاباة، وأن يأمروا بالمعروف، وينهَوا عن المنكر، وأن يقولوا الحق في جميع الأحوال، لا يخافون لومة لائم {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} [البقرة: 159].
ومن العهود الكلية العظمى الجارية بين الناس، عهود الولايات العامة على الأمة ومصالحها، كولاية القضاء، وولاية الخلافة، وغيرها من الإمارات والرئاسات...
فهذه أمانات وعهود يتوقف عليها من المصالح الدينية والدنيوية ما لا ينحصر ولا يتقدر، ويجب أن يتجند الجميع للوفاء بها والالتزام بها والإلزام بها، فمقتضياتها لا تقبل التساهل ولا تقبل الإسقاط، ومن لم يَقدر على الوفاء بها فليتنح أو لِينحَّ. ومن ظهر منذ البداية أنه لا يستطيع أن يوفيها حقها لم يجز توليته ولا السماح بتوليته. فهذا الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها))( ).
ثم تتنزل هذه القاعدة وتمتد، لتشمل كل العلاقات وكل المعاملات، الدولية والوطنية والمحلية والعائلية والاجتماعية.... إلى أصغر الوعود والتعهدات والمواعيد والآجال في حياتنا اليومية، مع أهلنا وجيراننا وزملائنا وأصدقائنا...
فالوفاء بكل هذه العهود ركن من أركان الدين والإيمان.

القاعدة السادسة: التصرف في الأموال منوط بالحق والنفع

قضية المال وكسبه وامتلاكه وإنفاقه واستهلاكه، قضية المعاملات المالية، والمنازعات المالية، هي إحدى القضايا التي تشغل كافة الناس أفرادا، وجماعات، ودولاً ومجتمعات، وهي عندهم قضية العمر، وقضية الأجيال، قضية الحاضر والمستقبل، مثلما هي قضية كل يوم وكل وقت وحين....
وكثير من الحروب والصراعات، ومن الخصومات والعداوات، ومن الخلافات والنزاعات، إنما هي لأسباب مالية ولأهداف مالية..
فلا جَرَم أن تحتل الشؤون المالية والأحكام المالية حيزا كبيرا في جميع الشرائع والقوانين والقواعد التشريعية. وهذا هو شأنها في الشريعة الإسلامية.
الأحكام والقواعد الشرعية المتعلقة بالأموال، أساسها ومرجعها هذه القاعدة الكلية: ( التصرف في الأموال منوط بالحق والنفع )، فجميع التصرفات المالية، يجب أن تكون بالحق والعدل أولا، وأن تكون في نفع ومصلحة ثانيا.
وبما أن وجوه الحق ووجوه النفع، في كسب الأموال وامتلاكها وتداولها وإنفاقها هي من الكثرة والتنوع، ومن التجدد والتفرع، بحيث لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ذكرها ولا حصرها، فإن الشرع اتجه إلى ذكر ما لا يصح ولا يجوز منها، وهو النهج الذي نبهت عليه الآية الكريمة {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151]، أي بتسمية ما هو محرم، وما سواه فيبقى مباحا.
ومرجع التحريم في الأموال والتصرفات المالية إلى أمرين هما:
1 ـ تحريم كسب الأموال وتناولها وتداولها بالباطل، أي بغير وجه حق واستحقاق.
2 ـ تحريم تبذيرها وإفسادها، أي صرفها واستعمالها واستهلاكها فيما لا نفع فيه ولا طائل تحته، أو فيما فيه ضرر أو فساد.
ففي الوجه الأول نجد مثل هذه الآيات الجامعة:
{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 161].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34].
{وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [أول سورة المطففين].
وهكذا فكل كسب أو إكساب للمال، بوجه من الوجوه التي تمنعها الشرائع المنزلة، أو تمنعها الأخلاق الكريمة، أو تمنعها الأعراف القويمة، أو تمنعها القوانين العادلة، أو العهود الصحيحة، فهو كسب محرم، وهو أكل للمال بالباطل، أي بغير وجه حق.
ويدخل في أكل المال بالباطل ـ على سبيل المثال ـ المكاسب الناجمة عن الغصب، والتدليس، والخداع، والغش، والربا، والرشوة، والميسر، والإلجاء، والزور...
وأما الوجه الثاني، فهو يشمل المال المكتسب بحق واستحقاق. فهذا المال ليس لأصحابه أن يصرفوه ويستعملوه فيما لا نفع فيه، وليس لهم أن يستعملوه فيما يضر، كما ليس لهم أن يجمدوه ويعطلوه عن وظيفته ومقصوده. وهذا المعنى مضمن في آيات عديدة منها:
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67].
{وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 26]
{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}[النساء: 5].
فالسفهاء ـ مثل القاصرين ـ يُمنعون من التصرف في أموالهم،لأنهم يفسدونها ويضعونها في غير منفعة أو يضعونها في مضرة. وقد قيلت أقوال عدة في معنى السفهاء المقصودين في الآية، ولكن الإمام الطبري ـ بعد أن استعرض تلك الأقوال كلها ـ قال: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عَمَّ بقوله {وَلاَ تُؤتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ}، فلم يخص سفيها دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيها ماله، صبيا صغيرا كان أو رجلا كبيرا، ذكرا كان أو أنثى"( ).
وقد ورد توكيد هذا المعنى العام في منع إضاعة المال ومنع استعماله بغير نفع، في عدة أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)( ).
وقد أورد الإمام البخاري هذا الحديث ـ وغيره ـ تحت عنوان "باب ما ينهى عن إضاعة المال، وقول الله تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} و {لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}.."
ومما ينبني على هذه القاعدة وخاصة من وجهها الثاني، قاعدة وجوب الإنفاق، فهذه متفرعة عن تلك، باعتبار أن إنفاق المال إنما هو تصرف فيه وصرف له فيما ينفع، لأن عدم إنفاق المال مساوٍ لإنفاقه فيما لا نفع فيه.
فكلاهما جناية على المال وعلى وظائفه المتعددة.
وبغض النظر عن وجوه الإنفاق المحددة والواجبة شرعا، كالزكاة والجهاد ونفقة الأهل والأقارب ونحوها، فإن حديثي الآن هو عن المعنى الكلي، و عن الحكم الكلي، وهو ( وجوب الإنفاق ) على وجه العموم والإطلاق.
لقد أمر الله تعالى بالإنفاق بصفة عامة ومطلقة ومجردة:
{وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7].
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ} [التغابن: 16].
{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245 ـ الحديد: 11].
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} [البقرة 274].
{قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً...} [إبراهيم:14]
فالمغزى العام هو أن الإنسان أوتي الأموال والخيرات، لينفقها لا ليمسكها، وليستعملها فيما ينفعه وينفع غيره، لا ليكون هو عبدا لها مستعمَلا في جمعها وحراستها. بل إن ملكية الإنسان للأموال، إنما هي ملكية حق الاستعمال، فهو لا يملكها، وإنما يملك ( حق استعمالها ). وهذا واضح في الآية التي سبقت: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} وفي قوله عز وجل {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].
فالإنفاق مقرر ومطلوب بصورة مبدئية عامة، فضلا عن وظائفه الاجتماعية والاقتصادية، وفضلا عن الوجوه المعينة شرعا للإنفاق فيها.

القاعدة الكلية السابعة: وتعاونوا على البر والتقوى

هذه القاعدة وتتمتها، جاءت في قوله تعالى {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
والقاعدة هنا ـ في هذه الآية ـ لها وجهان: الوجه الأول هو: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرّ وَالتَّقْوَى}، وهو يتضمن أمرا عاما كليا بالتعاون على كل ما هو بر وكل ما هو تقوى، والوجه الثاني هو {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وهو يتضمن نهيا عاما كليا عن التعاون والمساعدة على أي إثم أو أي عدوان.
فكل ما هو بر وتقوى، وكل ما فيه بر وتقوى، فهو مأمور به، ومأمور بالتعاون عليه، وكل ما هو إثم وعدوان، وكل ما فيه إثم وعدوان، فهو منهي عنه، ومنهي عن التعاون عليه.
وبهذا تظهر كلية هذه القاعدة وسعة انطباقها وشمولها. فهي تشكل قاعدة تشريعية عريضة، للأفراد في عباداتهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم، وللفقهاء والمشرعين في فتاواهم وقوانينهم واجتهاداتهم، وللقضاة في تفسيراتهم القانونية وأحكامهم القضائية، وللولاة في سياساتهم ومشاريعهم واختياراتهم، وللمربين والمصلحين في برامجهم ومعالجاتهم وعلاقاتهم.
فكل هؤلاء وغيرهم، يجدون أمامهم وفوقهم هذا المحدِّد المرجعي، الذي يأمرهم وينهاهم ويقول لهم: كل ما هو بر وتقوى: أقبلوا عليه، وتعاونوا وأعينوا عليه، وساعدوا عليه وعلى ما يخدمه. وكل ما هو إثم وعدوان: أحجموا عنه، ولا تعينوا أحدا عليه، ولا تفعلوا ما يفضي إليه أو يخدمه أو يقرب منه.
وهذا ينطبق على الأفراد والجماعات،وعلى الأحزاب والنقابات،وعلى الدول والمنظمات...
ينطبق في العبادات والمعاملات، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في التعليم والإعلام، في الدعوة والجهاد، في الأعمال الخيرية والمشاريع الاجتماعية...
فأمام جميع الناس، وفي جميع المجالات، هناك أعمال بر وتقوى، وأعمال تفضي إلى البر والتقوى. فالمطلوب تحقيقها، أو التعاون في تحقيقها، أو تقديم كل ما يساعد على تحقيقها: بالمبادرة، بالاقتراح، بالتنفيذ، بالتمويل، بالتنبيه، بإعداد مخطط، بسد نقص، بتقديم نصح، باتخاذ قرار، بإصدار قانون، بإعطاء ترخيص وتسهيل، بالحضور، بكلمة تشجيع ومؤازرة...
ومثل هذا يقال في الاتجاه المعاكس من الجانب الآخر...وأقل ما في هذا الجانب هو الإمساك والامتناع عن أي خطوة في أي مسار يخدم الباطل والمنكر والإثم والعدوان، أيا كان مصدره، وأيا كان ضحاياه.
وهنا تأتي ـ على سبيل المثال ـ مقاطعة المفسدين في فسادهم، وفيما يخدم غيَّهم وفسادهم، ومقاطعة المعتدين فيما يخدم بغيهم وعدوانهم، وهذا لا يمنع من إنصافهم والتعاون معهم على البر والتقوى، كما دل على ذلك سياق الآية: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ...}
وهذه القاعدة الكلية الجليلة هي أساس القول بفروض الكفايات، المنصوص منها وغير المنصوص، فهي تتضمن الأمر بالتعاون في كل ما هو خير ومصلحة، ويكون الأمر آكد وأوجب كلما تعلق بمصالح كبرى وعامة وأكيدة، كما يكون النهي آكد في التحريم والمنع كلما تعلق بمفاسد كبيرة وأضرار بليغة.
وفروض الكفايات ـ في معظمها وأمهاتها ـ ليست سوى مصالح دينية ودنيوية لا غنى للناس عن إقامتها ورعايتها، أو مفاسد دينية ودنيوية لا مفر لهم من دفعها واتقائها، وهي غالبا ليست مما يقوم به الفرد الواحد أو الأفراد المنفردون، بل تتوقف على الجماعة وعلى التعاون الجماعي، وبدون تعاون تضيع فروض الكفايات.
وهذا "التعاون" الذي جاءت به القاعدة يكون واجبا كلما تعلق بإقامة شيء واجب لا يقوم إلا بالتعاون، أو إذا تعلق بدفع محرَّم لا يندفع إلا بالتعاون، ثم يكون مندوبا فيما سوى ذلك، أي في إقامة المندوبات والمصالح غير الضرورية، أو في دفع المكروهات والأضرار الخفيفة.
ومن القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة الكلية، "قاعدة التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهي المنصوص عليها في قوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104]، وفي قوله {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71].
وليس كل أمر بمعروف أو نهي عن منكر يحتاج إلى تعاون وإلى قيام جماعي، بل إن الكثير جدًا من الحالات يتأتى فيه الأمر الفردي والنهي الفردي.
وإنما يحتاج إلى التعاون والعمل الجماعي، فيما يكون متشبعا ومتفشيا، أو فيما يتسم بالاستعصاء والممانعة.
ومن هنا تأتي مشروعية إقامة الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات والأحلاف والتكتلات، إذا كانت ترمي إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وإلى إقامة المصالح ودفع المفاسد...
على أن التعاون الجماعي على البر والتقوى، لا يتوقف دائما على الهيئات القائمة المنتظمة، بل قد يكون تعاونا آنيا وعفويا، لأن المفروض أن يكون عموم الناس دائما في حالة تجاوب ومبادرة ذاتية، كلما رأوا حاجة إلى تعاون ومساعدة في جلب خير وإحقاق حق، أو في دفع شر وإبطال باطل.
ومن القواعد المتفرعة عن قاعدتنا هذه،"قاعدة اعتبار الوسائل". وهي القاعدة التي عبر عنها الأصوليون بصيغ متعددة، كقولهم "الأمر بالشيء أمرٌ بوسيلته"، وقولهم "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقولهم "الوسائل تعطَى حكم المقاصد" وقولهم "الوسائل تابعة للمقاصد"، أي تابعة لها في حكمها وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة.
فالتعاون على البر والتقوى، قد يكون في حالات كثيرة تعاونا على إيجاد الوسائل، أو تعاونا على تشغيلها وتفعيلها، والتعاون على درء المفاسد والشرور قد يكون تعاونا على منع وسائلها أو على إعاقتها أو تعطيلها.
وهذا يفضي بنا إلى قاعدة أخرى ذات صلة وثيقة بما نحن فيه، وهي"قاعدة اعتبار المآل"، أي الحكم على الأفعال والأشياء من خلال مآلاتها ونتائجها وآثارها.
فالذي يعين على شيء، أو يعين على منعه، يجب أن يفكر في مآل ذلك الشيء، لأنه في الحقيقة إنما يُعِين على ذلك المآل أو على تحاشيه، ولو بشكل غير مباشر. وقد عرفتُ عددا من الأثرياء الفضلاء، يقدمون هباتهم وزكواتهم لنوادي "الروتاري"، لصرفها على الفقراء والأيتام ومشاريع الخير، مع أن المآل هنا هو تقوية نفوذ هذه المنظمات الأجنبية المعادية للإسلام، وتمكينُها من التغلغل والتأثير في صفوف المجتمع، وفي صفوف النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا يصبح المآل والنتيجة تعاونا على الإثم وعلى الإفساد.

  • 0