عرس
الحياة :
مع منتصف كل شهر قمري ، تكون إحدى
عرائس المبيض قد تهيأت كأحلى ما تكون العروسة في ليلة زفافها ، فتخرج من
المبيض بعملية الإباضة ( ovulation ) ، في منتصف الشهر القمري ، وهي
محاطة بطبقة من الخلايا المغذية تسمى التاج المشع ، وهي ميرة تكفيها لبعض
الوقت ، ريثما تدخل بيت الزوجية الجديد ، الذي سيتكفّل بكل شيء منذ لحظة
دخولها أعتابه ...!
في هذه الأثناء يكون كل شيء في المرأة مهيأً لاستقبال العريس الذكري :
-
الوضع النفسي للمرأة مهيأً للجماع ،
ويطلبه ، ويلحّ عليه .
-
المهبل مهيأ لاستقبال النطاف وتسهيل
حركتها ومرورها فيه .
-
الرحم مهيأ لاستقبال محصول الحمل
وتعشيشه فيه .
-
البوقان مهيآن لالتقاط البويضة
المقذوفة من المبيض وتوجيهها وجهتها المعروفة باتجاه الرحم ، كما أنه
جاهز لاستقبال النطاف القادمة من المهبل ، وتوجيهها باتجاه البويضة ،
وتسهيل التقائهما في الثلث الوحشي منه ، ثم تسهيل حركة محصول الحمل -
فيما لو حصل -وإيصاله إلى الرحم .
فإذا ما حصل الجماع في هذه اللحظات ،
وقذف الرجل بنطافه في مهبل المرأة ( وهي تقدّر بحوالي نصف مليار نطفة
للقذفة الواحدة ) ، فإن هذه الملايين تبدأ بالتسابق باتجاه البويضة ،
ولنتصوّر هذا المنظر المدهش ، خمسمائة مليون عريس يتنافسون على عروس
واحدة .!!!
وهنا لا يسعنا إلا أن نقف بإجلال وإكبار أمام هذا النص القرآني المعجز :
بسم الله الرحمن الرحيم
(( ألم يكُ نطفةً من منيٍّ يُمنى .!؟ )) القيامة (17). نطفة واحدة من نصف
مليار نطفة ( منيٍّ يمنى ) هي المسؤولة عن تكوين هذا المخلوق البشري ،
فتبارك الله أحسن الخالقين ...
وتبدأ الرحلة الشاقة ، وتبدأ عملية البحث العجيبة ، ولنتصور أننا وضعنا
نصف مليار رجل أعمى في البصرة ، وطلبنا منهم أن يلتقوا بامرأة واحدة
عمياء في الموصل لإغاثتها ، في مدّة لا تتجاوز أربعة وعشرين ساعة ، وإلا
ماتت المرأة ، فهل يستطيع هؤلاء العميان أن ينجزوا هذه المهمّة المعجزة
.!؟
هذا بالضبط ما يحصل داخل الجهاز التناسلي للمرأة .!!!
وتتحرك الملايين لهدفها في أعجب وأروع ( ماراثون ) في العالم ، وهناك ،
وفي الثلث الوحشي من البوق تحدث المعجزة المدهشة ، حيث يصل المئات ، بل
الآلاف من العرسان ، ويحيطون بالعروس من كل جانب ، كل يدّعي بأنه هو الذي
وصل أولاً ، ولكنّ العروس هي التي تحسم المسألة ، وتفض النزاع ، وتتوّج
الفائز ، وذلك من خلال كامرة ربّانية مدهشة ، مثبّتة بصورة خفيّة في
جدارها ، حيث تستطيع وبكل سهولة أن تتعرّف على الفائز الأول بعد استخدام
العرض البطيء .!!!
وفور تعرّفها على صاحب الحظ السعيد هذا ، تفتح له باب حجرتها ، وتستقبله
بالترحاب ... ومن المدهش أن هذا اللقاء التاريخي الرائع لا يتمُّ إلا في
الثلث الوحشي من البوق ، فلماذا يا ترى ، الثلث الوحشي بالذات .!؟
والجواب :
-
لأن هذه هي إرادة الخالق المبدع .
-
لأن عمر البويضة قصير ، وميرتها
قليلة ، لا تكفيها إلا لمدة (24) ساعة فقط ، وهي مدة تكفي لقطع الثلث
الوحشي من البوق ، فإذا التقت بالنطفة خلال هذه المدة ، استمرت بالحياة
من خلال دفقة جديدة تستمدها من النطفة ، وإلا فإنها تذبل وتموت ..
-
المسافة من مكان التلقيح ( في الثلث
الوحشي للبوق ) إلى مكان التعشيش ( في جدار الرحم ) ، ضرورية لإعطاء
الفرصة للنطفة الأمشاج ( حسب التعبير القرآني ) ، للانقسام والتهيؤ
للتعشيش في جدار الرحم ، كما أنها ضرورية لإعطاء الفرصة للرحم نفسها
للتهيؤ واستقبال الضيف الجديد.!
_ (( هذا خلق الله ، فأروني ماذا خلق الذين من دونه .!؟ )). لقمان .
_ (( وكلّ شيئ عنده بمقدار )) الرعد .
_ (( إنا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدر )) القمر .
_ (( وخلق كلَّ شيءٍ فقدّره تقديراً )) الفرقان .
بعد التقاء العروسين مباشرة ( النطفة القادمة من الأب ) مع البويضة
القادمة من الأم ، وكلّ منهما يحمل نصف العدد الصبغي ، تتشكل النطفة
الأمشاج ، حسب التعبير القرآني أو ما تسمى الآن بالبويضة الملقَّحة
(zygot) ، والتي تحمل عدداً كاملاً من الصبغيات ( chromozomes ) ، نصفها
قادمة من الأب ، ونصفها قادمة من الأم .
وهنا لا بد لنا من وقفة عند المصطلح القرآني ( النطفة الأمشاج ) ، بسم
الله الرحمن الرحيم :
(( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ))
الإنسان( 2
) . لنرى مدى تفوّقه وإعجازه بالنسبة للمصطلح البشري ( البويضة الملقّحة
) :
فهو أولاً يقدّم ذكر النطفة على أنها هي الأصل ، لأنها مسؤولة كما سنرى
عن تحديد جنس الجنين ، ومسؤولة عن إعطاء دفقة الحياة للبويضة منذ لحظة
التقائها بها ، وإلا فإن الثانية تذبل وتموت في غضون (24) ساعة لا غير ،
بينما المصطلح البشري يقدّم البويضة على أنها هي الأصل ، والتلقيح طارئ
عليها ( البويضة الملقّحة ) وهذا خلاف الواقع العلمي ..
وهو ثانياً يتحفنا بلفظة ( أمشاج ) والذي يعني أخلاط ، وهو لفظ رائع ، ذو
مغزى مدهش ، لا يمكن لأي لفظ أن يعوّض عنه ، وهو يصوّر الحقيقة بعينها ،
عندما تختلط مكونات النطفة القادمة من الأب ، مع مكونات البويضة القادمة
من الأم ، وبنسب متساوية ، لتعطي هذا الخليط المتجانس من الصبغيات .
خصائص قادمة من الأب تختلط مع خصائص قادمة من الأم فتعطي خصائص جديدة ،
لمولود جديد . ومن الجدير ذكره أن جنس الجنين يتحدّد منذ لحظة التقاء
النطفة مع البويضة وتشكيل النطفة الأمشاج ، والمسؤول عن تحديد جنس
الجنين هي النطفة القادمة من الأب ، وليست البويضة القادمة من الأم ،
وذلك لأن النطفة تتكون من ( 22 صبغي جسمي ) وصبغي جنسي واحد ، وهو :
إما ( X ) أو ( Y ) ، بينما البويضة القادمة من الأم تتكون من ( 22 صبغي
جسمي ) وصبغي جنسي واحد أيضاً لكنه من نوع ( X ) فقط .
فإذا ما التقت النطفة المذكّرة ( أي التي تحمل الصبغي الجنسي Y ) مع
البويضة ( X ) فإن محصول الحمل سيكون ( 44 صبغي جسمي + XY ) وهو جنين ذكر
.
أما إذا التقت النطفة المؤنثة ( وهي التي تحمل الصبغي الجنسي X ) مع
البويضة ( X ) أيضاً فإن محصول الحمل سيكون ( 44 صبغي جسمي + XX ) وهو
جنين أنثى .
ونقف مرّة أخرى بإجلال وإكبار أمام القرآن المعجز ، الذي قرّر هذه
الحقيقة العلمية قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، وأنزلها على نبيٍّ أمّي ،
وفي أمة أمية ، كان الذي يقرأ ويكتب فيها عملة نادرة تُشدُّ إليه الرحال
.!!!
بسم الله الرحمن الرحيم (( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى : من نطفة ،
إذا تُمنى )) النجم (45) . أي أن النطفة وليست البويضة ، هي التي تقرّر
جنس الجنين ، فتبارك الله أحسن الخالقين ...!!!
أما إذا لم يحصل الجماع ، ولم تلتق البويضة بعريسها الغالي ( النطفة ) ،
فإنها لا تلبث أن تنتحر وتموت ، وذلك في غضون (24) ساعة من خروجها من
المبيض ، لأنها غير مستعدة للحياة بدون هذا الحبيب الأثير ، وهنا يتأثر
الجسم لهذا المصاب الأليم ، ويعلن عن تأثره على شكل وعكة صحية عادة ما
ترافق حالات الطمث عند النساء ، ولكن أكثر الأعضاء تأثراً كما ذكرنا ،
إنما هي الرحم ، التي تعبر عن تأثرها هذا بذرف دموع من دم ، ويحدث الطمث
أو الحيض ( العادة الشهرية ) .
وهنا لنا وقفة أخرى مع القرآن المعجز ، وذلك في قوله تعالى : بسم الله
الرحمن الرحيم
(( ويسألونك عن المحيض ، قل : هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ، ولا
تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله ، إن الله
يحب التوابين ويحب المتطهّرين )) البقرة (222).
يـا للعظمة .! ويـا للروعة .! ويـا للإعجاز ..!!!
هل كان محمد النبي الأمي ، عالم تشريح ، أم أستاذ نسائية وتوليد .!؟
وكيف عرف قبل أكثر من أربعة عشر قرناً وهو في صحراء مقفرة ، لا توجد فيها
مجاهر إلكترونية ، ولا أشعة ليزر ، ولا تصوير طبقي ، ولا حتى أطباء ، بأن
الحيض في المرأة أذى !!!؟
إنه الله الخالق المبدع المصور له الأسماء الحسنى (( ألا يعلم من خلق ،
وهو اللطيف الخبير .!؟ )).
إذاً ، تعالوا معنا لنرى ماذا يقول الطب الحديث عن المحيض :
إن المرأة إذا حاضت ، تعرّضت للعوارض
الصحيّة التالية :
-
انفتاح فوّهات كثيرة من الأوعية
الدموية الرحمية ، مما يجعلها عرضة لدخول الجراثيم والميكروبات ، وحدوث
الالتهابات التي قد تكون خطيرة وقاتلة .
-
نزف كمية من الدم ، مما يؤدي لنحول
الجسم وإضعافه .
-
تعادل الحموضة المهبلية الطبيعية ،
بقلوية الدم النازف من الرحم ، مما يفقده خصيته المضادة للميكروبات
المرضية ، فيصبح وسطاً قابلاً لنمو الجراثيم والميكروبات المرضية .
-
العامل الميكانيكي لدخول القضيب في
المهبل ، وحمله عدداً من العوامل المرضية الخارجية إلى الرحم المريض
أصلاً ...
-
الوضع النفسي المتوتّر للمرأة ،
وتغير مزاجها ، المرافق للدورة الشهرية ، يجعلها غير راغبة في الممارسة
الجنسية ، وكارهة لها ، وأي إجبار لها على ما تكره ، قد يؤدي إلى فتور
العلاقة الزوجية ، وربما أدى إلى الكراهية والطلاق ...
هذا قليل من كثير ، مما توصّل إليه
العلم الحديث ، من أسرار منع العليم الخبير للرجل من ممارسة العملية
الجنسية أثناء الحيض ، فتبارك الله أحسن الخالقين ..